كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 22)
"""""" صفحة رقم 155 """"""
ورحمة الله وبركاته ، فقال له المأمون : لا سلم الله عليك ولا حفظك ولا كلأك ولا رعاك يا إبراهيم ، فقال له : على رسلك يا أمير المؤمنين ، فلقد أصبحت ولي ثأري ، والقدرة تذهب الحفيظة ، ومن مد له الأغترار في الأمل هجمت به الأناة على التلف ، وقد أصبح ذنبي فوق كل ذي ذنب ، كما أن عفوك فوق كل ذي عفو . ومن رواية أخرى أنه قال : وقد أصبحت فوق كل ذي ذنب ، كما أصبح كل ذي عفو دونك ، فإن عاقبت فبحقك وإن تعف فبفضلك ، قال : فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال : إن هذين أشارا علي بقتلك ، فالتفت فإذا العباس بن المأمون والمعتصم ، فقال : يا أمير المؤمنين أما حقيقة الرأي في معظم تدبير الخلافة والسياسة فقد أشارا عليك به ، وما غشاك إذ كان مني ما كان ، ولكن الله عودك من العفو عادة جريت عليها ، دافعاً ما تخاف بما ترجو ، فكفاك الله يا أمير المؤمنين ، فتبسم المأمون ثم أقبل على ثمامة فقال : إن من الكلام ما يفوق الدر ويغلب السحر ، وإن كلام عمي منه ، أطلقوا حديده وردوه إلي مكرماً ، فلما رد إليه قال : يا عم ، صر إلى المنادمة وارجع إلى الأنس ، فلن ترى مني أبداً إلا ما تحب ، فلما كان من الغد بعث إليه بدرج فيه هذه القصيدة التي تقدم ذكرها ، لكن اختصرها أبو الفرج فذكر بعضها ، فلما قرأها المأمون بكى وقال علي به فخلع عليه ، وأمر له بخمسة آلاف دينار ، ودعا بالفراش فقال له : إذا رأيت عمي مقبلاً فاطرح له متكأً ، وكان ينادمه لا ينكر منه شيئاً . قال أبو الفرج : وروى بعض هذا الخبر عن محمد بن الفضل الهاشمي ، فقال فيه : لما فرغ المأمون من خطابه دفعه إلى ابن أبي خالد الأحول ، وقال : هذا صديقك فخذه إليك ، قال : وما تغني صداقتي عنه وأمير المؤمنين ساخط عليه ، أما إني - وإن كنت صديقاً له - لا أمتنع عن قول الحق فيه ، قال له : قل فإنك غير متهم ، فقال - وهو يريد التسلق على العفو عنه : إن قتلته فقد قتلت الملوك قبلك أقل جرماً منه وإن عفوت عنه عفوت عمن لم يعف قبلك عن مثله ، فسكت المأمون ساعة ثم تمثل
قومي هم قتلوا أميم أخي . . . فإذا رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوت لأعفون جللا . . . ولئن سطوت لأوهنن عظمي
خذه إليك يا أحمد مكرماً ، فانصرف به ثم كتب إلى المأمون قصيدته المذكورة ، فلما قرأها رق له وأمر برده إلى منزله ، ورد ما قبض من أملاكه وماله . وفي خبر عن أبي داود أن المأمون تقدم إلى محمد بن يزداد - لما أطلق إبراهيم - أن يمنعه من داري