كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 22)
"""""" صفحة رقم 158 """"""
أصحابي فلما رأيت الزنبيل حملني النبيذ على الدخول فيه ، قالت : فما صناعتك ؟ قلت : بزاز ، قالت : ومولدك ؟ قلت : بغداد ، قالت : من أي الناس ؟ قلت من أوسطهم ، قالت : حياك الله ، عل رويت من الأشعار شيئاً ؟ قلت : شيء ضعيف ، قالت : فذاكرني ، قلت : إن للداخل دهشة ، ولكن ابدأيني فالشيء بالمذاكرة ، قالت : هل تحفظ قصيدة فلان التي يقول فيها كذا وكذا ، فأنشدتني لجماعة من الشعراء القدماء والمحدثين ، وأنا مستمع أنظر من أي أحوالها أعجب : من حسنها أو من حسن إنشادها أو من حسن أدبها أو ضبطها للغريب من النحو واللغة ثم قالت : قد ذهب عنك بعض الحصر ، قلت : إن شاء الله لقد كان ذلك ، قالت : فأنشدني ، فأنشدتها فجعلت تسألني عن أشياء تمر في الشعر كالمختبرة ، ثم قالت : والله ما قصرت ولا توهمت أن فيك هذا ولا رأيت في أبناء التجار مثلك فكيف معرفتك بالأخبار وأيام الناس ؟ قلت : نظرت في شيء من ذلك ، فأمرت بإحضار الطعام فأكلنا ، ثم أحضرت نبيذاً فشربت قدحاً ، وقالت : هذا أوان المذاكرة ، فاندفعت وقلت : بلغني كذا وكذا ، وكان رجل من قصته كذا وكذا ، فسرت بذلك ، وقالت : ليس هذا من أمر التجار ، وإنما هي من أحاديث الملوك ، قلت : إنه كان لي جار ينادم بعض الملوك فكنت أدعوه في بعض الأوقات إلى منزلي ، فما تسمعين مني فمن عنده أخذته ، قالت : يمكن هذا ثم قالت : لو كان عندك شيء واحد لكنت كاملاً فحرك بعض الملاهي أو ترنم ، قلت : لا أحسن من هذا شيئاً على أني مولع بسماعه ، فقالت : يا جارية - عودي ، فضربت فأحسنت وغنت غناء بديعاً ، ثم قالت : هذا الغناء لإسحاق ، فلم تزل على ذلك حتى إذا كان عند الفجر قالت : المجالس بالأمانات ، ثم أخذت وأخرجت إلى باب صغير ، فانتهيت إلى داري فأرسل المأمون إلي فمشيت إليه ، وبقيت عنده إلى وقت البارحة ودخل إلى حرمه ، فخرجت إلى ذلك الموضع ودخلت الزنبيل ، فقالت : ضيفنا قلت : منوا بالصفح ، قالت : فعلنا ولا تعد ، فلما كان عند الصباح فعلت فعلة البارحة ، وخرجت فأتيت المأمون ، فقال : أين كنت فاعتذرت إليه ، فلما كان الليل صنع صنعه وصنعت كذلك ، فلما دخلت في الزنبيل قالت : ضيفنا قلت : أي ها الله ، قالت : أجعلتها دار مقام قلت : الضيافة ثلاث فإن رجعت فأنت من دمي في حل ، فلما كان عند الوقت أفكرت في المأمون ، وعلمت أنه لا يخلصني منه إلا أن أخبره ، وعلمت من شغفه بالنساء أنه يطالبني بالمشي إليها ، فقلت : جلعت فداك - أتأذنين في ذكر شيء حضر ؟ قالت : قل ، قلت : أراك ممن يحب الغناء ويشغف