كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 22)

"""""" صفحة رقم 159 """"""
بالأدب ، ولي ابن عم هو من أهل الشعر والأدب والغناء ، هو أعرف خلق الله بغناء إسحاق ، الذي سمعتك تثنين عليه ، فقالت : طفيلي ويقترح ، قلت : إنما ذكرت ذلك لك وأنت المحكمة ، قالت : فإذا كان كما ذكرت فما نكره أن نعرفه ، قلت : فالليلة ، قالت : نعم ، ثم انصرفت على عادتي فلما وصلت داري أتاني رسول المأمون ، فمشيت إليه وهو حنق علي ، فقال : يا إسحاق آمرك بشيء فلا تقف عنده ، وكان لا يدخل إلى حرمه حتى يأمرني بانتظاره ، فأتذكر مجالسة الجارية فأنسى عقوبته ، فقلت : لي قصة أحتاج فيها إلى خلوة ، فأومأ بيده إلى من كان واقفاً فتنحوا ، فذكرت له القصة فلما فرغت من كلامي قال : كيف لي بمشاهدة ذلك الموضع ؟ قلت : قد علمت أنك تطالبني بهذا ، وقد قلت لها لي ابن عم من صنعته ومن حديثه ، ثم جلسنا على عادتنا في الأيام الخوالي - وهو يسألني عن حديثها ، فلما جاء الليل صرنا إلى ذلك الموضع ، فألفينا فيه زنبيلين فدخل في واحد ودخلت في الآخر ، فلما صرنا في البيت جلست في صدره ، وجلس المأمون دوني ، فلما أتت قالت : حيا الله ضيفينا بالسلام ، ثم رفعت مجلسه وقالت : هذا ضيف وأنت من أهل البيت ، ولكل جديد لذة ، فجلس المأمون في صدر البيت وأقبلت عليه تحدثه ، وهو يأخذ معها في كل فن فيسكتها ، فالتفتت إلي وقالت : وفيت بوعدك ، ثم أحضرت النبيذ وجعلنا نشرب وهي مقبلة عليه ، ثم قالت : وابن عمك هذا من أولاد التجار ؟ إن حديثكما وأدبكما لمن أدب الملوك ، وليس للتجار هذه المنزلة في الأحاديث والآداب ، ثم قالت لي : موعدك ؟ قلت : إنه ليجيب ولكن حتى يسمع شيئاً ، فأخذت العود وغنت فشربنا عليه رطلاً ثم ثانياً وثالثاً ، فلما شرب المأمون ثلاثة أرطال ارتاح وطرب ، وكان الصوت الثالث ما يقترحه علي أبداً ، فلما سمعه نظر إلي نظر الأسد إلى فريسته ، وقال لي : يا إسحاق غن لي هذا الصوت ، فلما رأتني وقفت بين يديه علمت أنه المأمون وأنني إسحاق ، فنهضت فقال لها : ها هنا وأومأ إلى كلة مضروبة فدخلتها ، فلما فرغت من ذلك الصوت قال : يا إسحاق : انظر من صاحب هذه الدار ؟ فسألت عجوز فقالت الحسن بن سهل وهذه ابنته بوران ، فرجعت فأعلمته فقال : علي به الساعة فأحضرته فوقف بين يديه فقال : لك بنت ؟ قال نعم يا أمير المؤمنين ، قال : زوجنيها ، قال هي أمتك وأمرها إليك ، قال : فإني أتزوجها على ثلاثين ألفاً نحملها إليك صبيحة غد ، فإذا وصل إليك المال فاحملها إلينا ، فقال : نعم يا أمير المؤمنين ، ثم نهض وفتح الباب وخرجنا ، فلما صرنا إلى الدار قال لي : يا إسحاق لا يقفن أحد على ما وقفت عليه

الصفحة 159