كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 22)
"""""" صفحة رقم 161 """"""
تغلبوا عليها بالحرب أو الدخول في الطاعة . وكانوا قد أقبلوا من الأندلس في مراكب ، والناس في تلك الفتن التي ذكرناها ، فأرسوا بالإسكندرية وتغلبوا عليها ، وكان رئيسهم يدعى أبا حفص . فلما أتتهم رسالته سألوا الأمان ، على أن يرحلوا عنها إلى بعض أطراف الروم التي ليست من بلاد الإسلام ، فأمنهم على ذلك فرحلوا ونزلوا بجزيرة اقريطيش . واستوطنوها وأعقبوا وتناسلوا .
قال : وبعث ابن طاهر عبيد الله بن السري إلى بغداد ، فقدمها في سنة إحدى عشرة ومائتين ، وأنزل مدينة المنصور ، وأقام ابن طاهر بمصر والياً عليها وعلى الشام وعلى الجزيرة ، إلى أن نقل إلى خراسان على ما نذكره إن شاء الله تعالى . وروى أبو الفرج الأصفهاني أن المأمون أعطى عبد الله بن طاهر مال لسنة خراجها وضياعها ، فوهبه كله وفرقه في الناس . ورجع صفراً من ذلك فغاظ المأمون فعله ، فدخل إليه يوم مقدمه وأنشد أبياتاً قالها في هذا المعنى يقول منها :
إليك أقبلت من أرض أقمت بها . . . حولين بعدك في شوق وفي ألم
أقفو مساعيك اللاتي خصصت بها . . . حذو الشراك على مثل من الأدم
وكان فضلي فيها أنني تبع . . . لما سننت من الإنعام والنعم
ولو وكلت إلى نفسي غنيت بها . . . لكن بدأت فلم أعجز ولم ألم
فضحك المأمون وقال : والله ما نفست عليك بمكرمة نلتها ، ولا أحدوثة حسن عنك ذكرها ، ولكن هذا شيء إذا عودته نفسك افتقرت ، ولم تقدر على لم شعثك وإصلاح حالك ، وزال ما كان في نفسه . قال : وكان المال الذي فرقه عبد الله بن طاهر - وهو على المنبر - ثلاثة آلاف ألف دينار ، أجار بها قبل نزوله عن المنبر ، قال معلى الطائي - وقد بلغه ما صنع عبد الله بن طاهر - فقال : أصلح الله الأمير ، وأنا معلى الطائي وقد بلغ مني ما كان منك إلي من جفاء وغلظ ، فلا يغلظن على قلبك ، ولا يستخفنك الذي بلغك ، فأنا الذي أقول :
لو يصبح النيل يجري ماؤه ذهباً . . . لما أشرت إلى خزن بمثقال
تغلى بما فيه رق الحمد تملكه . . . وليس شيء أعاض الحمد بالغالي في أبيات أخر ، قال : فضحك عبد الله وسر بما كان منه ، وقال : يا فلان أقرضني عشرة آلاف دينار - فما أمسيت أملكها - فأقرضه ، فدفعها إليه .