كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 22)
"""""" صفحة رقم 169 """"""
ذكر وفاة أبي العباس المأمون
كانت وفاته بالبذندون من أرض الروم لثمان خلون من شهر رجب ، وقيل لاثنتي عشرة بقيت منه ، سنة ثماني عشرة ومائتين ، وكان ابتداء مرضه لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة منها ، وكان سبب مرضه ما ذكره سعيد بن العلاف القاريء ، قال : دعاني المأمون يوماً فوجدته جالساً على شاطيء البذندون ، والمعتصم عن يمينه ، وقد دليا أرجلهما في الماء ، فأمرني أن أضع رجلي في الماء ، وقال : ذقه - هل رأيت أعذب منه أو أصفى أو أشد برداً ؟ ففعلت وقلت ما رأيت قط مثله ، فقال : أي شيء أن يؤكل ويشرب عليه هذا الماء ؟ فقلت : أمير المؤمنين أعلم ، فقال : الرطب الآزاذ ، فبينما هو يقول ذلك إذ سمع وقع لجم البريد ، فالتفت فإذا بغال البريد عليها الحقائب فيها الألطاف ، فقال لخادم : انظر إن كان في هذه الألطاف رطب آزاذ فأت به ؟ فمضى وعاد ومعه سلتان فيهما منه ، كأنما جني تلك الساعة ، فأظهر شكر الله تعالى وتعجبنا جميعاً ، وأكلنا وشربنا من ذلك الماء ، فما قام منا أحد إلا وهو محموم ، ودامت العلة بالمأمون حتى مات ، ولما اشتدت عليه قال لأبي إسحاق : يا أبا إسحاق أدن مني واتعظ بما ترى ، وخذ بسيرة أخيك في القرآن ، واعمل في الخلافة - إذا طوقكها الله - عمل المريد لله ، الخائف من عذابه وعقابه ، ولا تغتر بالله ومهلته ، ولا تغفل أمر الرعية الرعية الرعية - العوام العوام فإن الملك بهم وبتعهدك لهم ، الله الله فيهم وفي غيرهم من المسلمين ، ولا ينتهين إليك أمر فيه صلاح للمسلمين ومنفعة إلا قدمته وآثرته على غيره من هواك ، وخذ من أقويائهم لضعفائهم ، ولا تحمل عليهم في شيء ، وانصف بعضهم من بعض بالحق بينهم ، وعجل الرحلة عني إلى دار ملكك بالعراق ، وانظر هؤلاء القوم الذين أنت بساحتهم فلا تغفل عنهم في كل وقت ، والخرمية فاغزهم ذا حزامة وصرامة وجلد ، واكنفه بالأموال والسلاح والجنود ، فإن طالت مدتهم فتجرد لهم فيمن معك من أنصارك وأوليائك ، واعمل في ذلك عملاً مقدم النية فيه راجياً ثواب الله عليه ، ثم دعاه بعد ساعة حين اشتد وجعه وأحس بمجيء أمر الله ، فقال : يا أبا إسحاق عليك عهد الله وميثاقه وذمة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) لتقومن بحق الله في عباده ، ولتؤثرن طاعة الله على معصيته ، إذ أنا نقلتها من غيرك