كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 22)

"""""" صفحة رقم 181 """"""
فإن أردت الخروج إليه فليس في وجهك أحد يمنع ، فخرج توفيل في مائة ألف - وقيل أكثر من ذلك ، فبلغ زبطرة فقتل من بها من الرجال وسبى الذرية والنساء ، وأغار على أهل ملطية وغيرها من حصون الإسلام ، وسبى المسلمات ومثل بمن صار في يده من المسلمين ، وسمل أعينهم وقطع أنوفهم وآذانهم ، فخرج أهل الثغور من الشام والجزيرة إلا من لم يكن له دابة ولا سلاح .
ذكر فتح عمورية
قال : لما فعل توفيل ما فعل واتصل الخبر بالمعتصم كبر لديه واستعظمه ، وبلغه أن امرأة هاشمية صاحت وهي في أيدي الروم - وامعتصماه فأجابها - وهو على سريره - لبيك لبيك ، ونهض من ساعته وصاح في قصره : النفير النفير ، ثم ركب دابته وسمط خلفه شكالاً وسكة حديد وحقيبة فيها زاده ، ولم يمكنه المسير إلا بعد التعبئة وجمع العساكر ، ثم جلس في دار العامة وأحضر قاضيي بغداد عبد الرحمن بن إسحاق وشعيب بن سهل ، ومعهما ثلاثمائة وثمانية وعشرون رجلاً من أهل العدالة ، فأشهدهم على ما وقف من الضياع ، فجعل ثلثاً لولده وثلثاً لله تعالى وثلثاً لمواليه ، ثم سار فعسكر بغربي دجلة لليلتين خلتا من جمادى الأولى ، ووجه عجيف بن عنبسة وعمرو الفرغاني وجماعة من القواد إلى زبطرة معونة لأهلها ، فوجدوا ملك الروم قد انصرف إلى بلاده بعد أن فعل ما ذكرناه ، فوقفوا حتى تراجع الناس إلى قراهم واطمأنوا ، ثم سار المعتصم وسأل : أي بلاد الروم أمنع وأحصن ؟ فقيل عمورية لم يعرض لها أحد منذ كان الإسلام ، وهي عين النصرانية وأشرف عندهم من قسطنطينية ، فسار المعتصم من سامرا - وقيل كان مسيره في سنة اثنتين وعشرين ، وقيل سنة أربع وعشرين ومائتين وتجهز جهازاً لم يتجهزه خليفة قبله قط من سلاح وآلات وعدد وغير ذلك ، وبث سراياه فيها وجيوشه - يغير ويقتل ويأسر ويغنم ، ثم نزل بعمورية لست خلون من شهر رمضان وحاصرها ونصب عليها المجانيق ، ووالى الزحف والقتال ودام عليها خمسة وخمسين يوماً وكان بطارقة الروم قد اقتسموا الأبراج ، وكان وندوا موكل ببعضها ومعناه بالعربية ثور ، فقاتل قتالاً شديداً وكثرت الجراحات في أصحابه ، فمشى إلى الروم وقال : إن الحرب علي وعلى أصحابي ، ولم يبق معي أحد إلا جرح ، فإما

الصفحة 181