كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 22)

"""""" صفحة رقم 182 """"""
أن تمدوني وإلا ذهبت المدينة فلم يمدوه ، وكان المسلمون قد هدموا ثلمة من السور مما يلي جهة وندوا ، فعزم هو وأصحابه على الخروج إلى المعتصم ، يسألونه الأمان على الذرية ويسلمون إليه الحصن بما فيه ، فلما أصبح أوقف أصحابه بجانبي الثلمة وأمرهم ألا يحاربوا ، فخرج إلى المعتصم فصار بين يديه ، والناس يتقدمون إلى الثلمة وقد أمسك الروم عن القتال ، ووصل المسلمون إلى الثلمة ووندوا بين يدي المعتصم ، والناس يتقدمون حتى دخلوا المدينة ، فالتفت وندوا وضرب بيده على لحيته ، فقال له المعتصم : مالك ؟ قال : جئت أسمع كلامك فغدرت بي ، فقال له المعتصم : كل شيء تريده فهو لك . قال : ولما دخل المسلمون المدينة صارت طائفة من الروم إلى كنيسة كبيرة ، فأحرقها المسلمون عليهم فهلكوا بأجمعهم ، وجاء ناطس - وهو من البطارقة - فوقف بين يدي المعتصم ، فضربه المعتصم سوطاً وأخذ الروم السيف ، وأقبل الناس بالأسرى والسبي من كل وجه ، وكثرت الغنائم حتى كان ينادى الرقيق خمسة خمسة وعشرة عشرة ، لا ينادى على الشيء أكثر من ثلاث أصوات طلباً للسرعة ، وأمر المعتصم بعمورية فهدمت وأحرقت ، وفرق الأسرى على القواد وسار نحو طرسوس .
ذكر القبض على العباس بن المأمون وحبسه والأمر بلعنه ووفاته
وفي هذه السنة حبس المعتصم - العباس بن المأمون وأمر بلعنه ، وسبب ذلك أن عجيف بن عنبسة اجتمع به ووبخه ، كونه بايع المعتصم وكونه لم يطلب الأمر لنفسه ، وحثه على طلب الأمر لنفسه ، فقبل العباس قوله وأخذ يدبر في قتل المعتصم ، وشرع في طلب البيعة ووافقه جماعة من القواد ، فنمى الخبر إلى المعتصم فأحضر العباس وسقاه حتى سكر ولطف به واستعلم الخبر منه فذكر له الحال على غرة ، فقيده وسلمه للأفشين فحبسه ، فلما نزل منبج طلب العباس الطعام فقدم إليه طعام كثير ، فأكل ومنع الماء وأدرج في مسح ، فمات بمنبج وصلى عليه بعض إخوته ، وتتبع المعتصم من كان قد وافقه على ذلك من القواد ، فمنهم من فعل به مثل ذلك ومنهم من دفنه حياً ، وعاد المعتصم إلى سامرا وأمسك أولاد المأمون فحبسهم في داره حتى ماتوا .

الصفحة 182