كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 22)
"""""" صفحة رقم 192 """"""
نصر كان يغشاه أصحاب الحديث كابن معين وابن الدورقي وأبي زهير ، وكان يخالف من يقول بخلق القرآن ويطلق لسانه فيه ، مع غلظة الواثق ، وكان يقول إذا ذكر الواثق : فعل هذا الخنزير ، وقال : هذا الكافر ، وفشا ذلك ، وكان يغشاه رجل يعرف بأبي هارون السراج وآخر يقال له طالب وغيرهما ، فدعوا الناس إليه فبايعوه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفرق أبو هارون وطالب في الناس مالاً ، فأعطيا كل رجل ديناراً ، واتعدوا ليلة الخميس لثلاث خلون من شعبان ، ليضربوا بالطبل ويثوروا على السلطان ، وكان أحدهما في الجانب الشرقي من بغداد والآخر بالغربي ، فاتفق أن رجلين ممن بايعهم من بني الأشرس شربا نبيذاً ليلة الأربعاء قبل الموعد بليلة ، فلما أخذ منهم ضربوا الطبل فلم يجبهم أحد ، فسمع صاحب الشرطة الطبل فسأل عن الخبر ، فدل على رجل يكون في الحمام مصاب العين يعرف بعيسى الأعور ، فأخذه وقرره فقر على بني الأشرس وأحمد بن نصر وغيرهم ، فأخذ بعض من سمى وفيهم طالب وأبو هارون ، ورأى في منزل بني الأشرس علمين أخضرين ، ثم أخذ خادماً لأحمد بن نصر فقرره فأقر بمثل ما قال عيسى ، فأرسل إلى أحمد فأخذه وهو في الحمام ، وفتش بيته فلم يجد فيه سلاحاً ولا شيئاً من الآلات ، فسيرهم إلى الواثق مقيدين على بغال بأكف بغير وطاء إلى سامرا ، فجلس الواثق مجلساً عاماً فيه أحمد بن أبي دؤاد ، فلما حضر أحمد بن نصر عند الواثق لم يذكر له شيئاً من فعله والخروج عليه ، بل قال له : ما تقول في القرآن ؟ قال : كلام الله ، قال : أمخلوق هو ؟ قال : كلام الله ، قال : فما تقول في ربك - أتراه يوم القيامة ؟ قال : يا أمير المؤمنين - جاءت الأخبار عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال " ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر - لا تضامون في رؤيته " ، وحدثني سفيان بحديث رفعه " أن قلب ابن آدم المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه " ، وكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يدعو : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ، فقال الواثق لمن حوله : ما تقولون فيه ؟ فقال عبد الرحمن بن إسحاق : هو حلال الدم ، وقال بعض أصحاب ابن أبي دؤاد : اسقني دمه ، وقال ابن أبي دؤاد : هو كافر يستتاب لعل به عاهة أو نقص عقل ، وكان كارهاً لقتله ، فقال الواثق : إذا رأيتموني قد قمت إليه فلا يقومن أحد ، فإني أحتسب خطاي إليه ، ودعا بالصمصامة ومشى إليه وهو في وسط الدار على نطع ، فضربه على حبل عاتقه ثم ضربه على رأسه ، ثم ضرب سيما الدمشقي عنقه وطعنه الواثق بطرف الصمصامة في بطنه ، وصلب عند بابك وحمل رأسه إلى بغداد فنصب بها ، وكتب في أذنه رقعة : هذا رأس