كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 22)

"""""" صفحة رقم 197 """"""
قال : كانت لي نوبة في خدمة الواثق في كل جمعة . إذا حضرت ركبت إلى الدار ، فإن نشط إلى الشرب أقمت عنده ، وإن لم ينشط انصرفت ، وكان رسمنا ألا يحضر أحد منا إلا يوم نوبته ، فإني لفي منزلي في يوم غير يوم نوبتي إذا برسل قد هجموا علي ، وقالوا لي : احضر ، فقلت خيراً ، قالوا : خير ، فقلت : إن هذا يوم لم يحضرني فيه أمير المؤمنين قط ، ولعلكم غلطتم ، قالوا : الله المستعان - لا تطل وبادر ، فقد أمرنا ألا ندعك تستقر على الأرض ، فدخلني فزع شديد وخفت أن يكون سعى بي ساع ، أو بلية قد حدثت في رأي الخليفة علي ، فتقدمت بما أردت وركبت حتى وافيت الدار ، فذهبت لأدخل على رسمي من حيث كنت أدخل فمنعت ، وأخذ بيدي الخدم فعدلوا بي إلى ممرات لا أعرفها ، فزاد ذلك في جزعي وغمي ، ثم لم يزل الخدم يسلمونني من خدم إلى خدم حتى أفضيت إلى دار مفروشة بالصخر ، ملبسة الحيطان بالوشي المنسوج بالذهب ، ثم أفضيت إلى رواق أرضه وحيطانه ملبسة بمثل ذلك .
قال : وإذا الواثق في صدره على سرير مرصع بالجوهر ، وعليه ثياب منسوجة بالذهب ، وإلى جانبه فريدة جاريته عليها مثل ثيابه وفي حجرها عود ، فلما رآني قال : جودت والله يا محمد - إلينا إلينا ، فقبلت الأرض ثم قلت : يا أمير المؤمنين - خيراً قال : خير - ما ترانا طلبت والله ثالثاً يؤنسنا فلم أر أحق بذلك منك ، فبحياتي بادر فكل شيئاً وبادر إلينا ، والله - يا سيدي - قد أكلت وشربت أيضاً ، قال : اجلس فجلست . قال : هاتوا لمحمد رطلاً في قدح فأحضرت ذلك ، واندفعت فريدة تغني :
أهابك إجلالاً وما بك قدرة . . . علي ولكن ملء عين حبيبها
وما هجرتك النفس يا ليل أنها . . . قلتك ولا أن قل منك نصيبها فجاءت والله بالسحر ، وجعل الواثق يجاذبها وفي خلال ذلك تغني الصوت بعد الصوت ، وأغني في خلال غنائها ، فمر لنا أحسن ما مر لأحد ، فإنا لكذلك إذ رفع رجله فضرب بها صدر فريدة ، ضربة تدحرجت منها من أعلى السرير إلى الأرض ، وتفتت عودها ، ومرت تعدو وتصيح وبقيت كالمنزوع الروح ، فلم أشك في أن عينه وقعت علي - وقد نظرت إلي ونظرت إليها ، فأطرق ساعة إلى الأرض متحيراً ، وأطرقت أتوقع ضرب العنق ، فإني لكذلك إذ قال لي : يا محمد - فوثبت ، فقال : ويحك أرأيت أعجب مما تهيأ علينا فقلت : يا سيدي الساعة تخرج روحي ، فعلى من أصابنا بعين لعنة الله ، فما كان السبب والذنب ؟ قال : لا والله ، ولكني ذكرت في أن جعفراً يقعد غداً هذا المقعد ، وتقعد معه كما هي قاعدة معي ، فلم أطق الصبر

الصفحة 197