كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 22)
"""""" صفحة رقم 198 """"""
وخامرني ما أخرجني إلى ما رأيت ، فسري عني وقلت : بل يقتل الله جعفراً ويحيا أمير المؤمنين أبداً ، وقبلت الأرض وقلت : يا سيدي إرحمها ومر بردها ، فقال لبعض الخدم الوقوف مر وجيء بها ، فلم يكن بأسرع من أن خرجت وفي يدها عود ، وعليها غير الثياب التي كانت عليها ، فلما رآها جذبها إليه وعانقها ، فبكت وجعل هو يبكي واندفعت أنا في البكاء ، فقالت : ما ذنبي يا مولاي ؟ وبأي شيء استوجبت هذا ؟ فأعاد عليها ما قال لي وهو يبكي ، فقالت سألتك بالله يا أمير المؤمنين إلا ضربت عنقي الساعة ، وأرحتني من الفكر في هذا وأرحت قلبك من الهم ، وجعلت تبكي ويبكي ثم مسحا أعينهما ، ثم رجعت إلى الغناء ، وأومأ إلى خدم وقوف بشيء لا أعرفه ، فمضوا وأحضروا أكياساً فيها عين وورق ، ورزماً فيها ثياب كثيرة ، وجاء خادم بدرج ففتحه وأخرج منه عقداً ما رأيت مثل جوهر كان فيه ، فألبسه إياها ، وأحضرت بدرة فيها عشرة آلاف فجعلت بين يدي ، وخمسة تخوت فيها ثياب ، وعدنا إلى أمرنا إلى أحسن ما كنا فيه ، فلم نزل كذلك إلى الليل ثم تفرقنا ، وضرب الدهر ضربة وتولى المتوكل ، فوالله إني لفي منزلي بعد يوم نوبتي ، إذ هجم علي رسل الخليفة فلم يمهلوني حتى ركبت وصرت إلى الدار ، فأدخلت - والله - الحجرة بعينها ، وإذا المتوكل في الموضع الذي كان فيه الواثق على السرير بعينه وإلى جانبه فريدة ، فلما رآني قال : ويحك ما ترى ما أنا فيه من هذه - منذ غدوة أطالبها أن تغني فتأبى ذلك ، فقلت لها : يا سبحان الله تخالفين سيدك وسيدنا وسيد البشر بحياته غني فضربت والله ثم اندفعت تغني :
مقيم بالمجازة من قنونا . . . وأهلك بالأجيفر والثماد
فلا تبعد فكل فتى سيأتي . . . عليه الموت يطرق أو يغادي
ثم ضربت بالعود الأرض ورمت بنفسها عن السرير ، ومرت تعدو وهي تصيح واسيداه ، فقال لي : ويحك ما هذا فقلت : لا أدري والله - يا سيدي ، قال : ما ترى ؟ قلت أرى أن تحضر هذه ومعها غيرها فإن الأمر يؤول إلى ما يريد أمير المؤمنين ، قال : فانصرف في حفظ الله ، فلم أدر ما كانت القصة .