كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 22)
"""""" صفحة رقم 199 """"""
قال : وكان الواثق قد ذهب في أموره مذهب المأمون ، وشغل نفسه بمحنة الناس في الدين وأفسد قلوبهم ، ولما ولي الخلافة أحسن إلى العلويين واشتمل عليهم وبالغ في إكرامهم وتعاهدهم بالأموال ، وفرق في أهل الحرمين أموالاً لا تحصى ، حتى إنه لم يوجد في أيامه بالحرمين سائل ، حتى إنه - لما توفي - كان أهل المدينة تخرج من نسائهم كل ليلة إلى البقيع فيبكين عليه ويندبنه ، يفعلن ذلك بينهن مناوبة حزناً عليه لإحسانه لهم ، وأطلق في خلافته أعشار سفن البحر وكانت مالاً عظيماً .
وكان نقش خاتمه : الله ثقة الواثق . أولاده : محمد المهتدي بالله ، وعبد الله ، وإبراهيم ، ومحمد وعائشة . وزيره : محمد بن عبد الملك الزيات . حجابه إيتاخ ثم وصيف مولاه ثم أحمد بن عمار . قاضيه : أحمد بن أبي دؤاد . الأمراء بمصر : علي بن يحيى الأرمني ثم عيسى بن منصور من قبل إشناس ، فلما توفي إشناس ردت مصر إلى إيتاخ فأقر عيسى بن منصور عليها . قاضيها : محمد بن أبي الليث .
ذكر خلافة المتوكل على الله
هو أبو الفضل جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور ، وأمه تركية اسمها شجاع ، وهو العاشر من الخلفاء العباسيين ، بويع له يوم وفاة أخيه الواثق لست بقين من ذى الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ، قال : ولما توفي الواثق حضر الدار أحمد بن أبي دؤاد وإيتاخ ووصيف وعمر بن فرج وابن الزيات وأبو الوزير أحمد بن خالد ، وعزموا على البيعة لمحمد بن الواثق وهو غلام أمرد قصير ، فألبسوه دراعة سوداء وقلنسوة فإذا هو قصير ، فقال وصيف : أما تتقون الله - تولون مثل هذا الخلافة فتناظروا فيمن يولونه فذكروا عدة ثم أحضروا المتوكل ، فألبسه أحمد بن أبي دؤاد الطويلة وعممه وقبله بين عينيه ، وقال السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله ، وكان عمر المتوكل يوم ذاك ستاً وعشرين سنة ، ووضع العطاء للجند لثمانية أشهر . قال : وأراد ابن الزيات أن يلقبه ، فقال أحمد بن أبي دؤاد : قد رأيت لقباً أرجو أن يكون موافقاً - وهو المتوكل على الله ، فأمر بإمضائه فكتب به الآفاق . وقيل بل رأى المتوكل في منامه قبل أن يستخلف كأن سكراً ينزل من السماء - مكتوب عليه المتوكل على الله ، فقصها على أصحابه فقالوا : هي الخلافة ، فبلغ ذلك الواثق فحبسه وضيق عليه .