كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 22)
"""""" صفحة رقم 200 """"""
ودخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين .
ذكر القبض على محمد بن عبد الملك الزيات
وفي هذه السنة لسبع خلون من صفر قبض المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات ، واكن سبب ذلك أن الواثق كان قد استوزره وفوض إليه الأمور كلها ، وكان قد غضب على أخيه جعفر المتوكل ، ووكل عليه من يأتيه بأخباره كلها ، فجاء المتوكل إلى ابن الزيات فسأله أن يكلم الواثق ليرضى عنه ، فوقف بين يديه وهو لا يكلمه ، ثم أشار إليه بالقعود فجلس ، فلما فرغ من الكتب التي بين يديه التفت إليه كالمتهدد ، وقال : ما جاء بك ؟ قال : جئت لتسأل أمير المؤمنين الرضا عني ، فالتفت إلى من حوله وقال : انظروا يغضب أخاه ثم يسألني أن أسترضيه له ، اذهب فإنك - إذا صلحت - رضي عنك ، فقام من عنده حزيناً وأتى أحمد بن أبي دؤاد ، فقام إليه واستقبله على باب البيت وقبل يده ، وقال : ما حاجتك ؟ جعلت فداك ، قال : جئت لتسترضي عني أمير المؤمنين ، قال : أفعل ونعمة عين وكرامة ، وكلم أحمد الواثق فيه فوعده - ولم يرض عنه ، ثم كلمه ثانية فرضي عنه وكساه .
قال : ولما خرج المتوكل من عند ابن الزيات ، كتب أن جعفراً أتاني في زي المخنثين له شعرقفا ، يسألني أن أسأل أمير المؤمنين الرضا عنه ، فكتب إليه الواثق : ابعث إليه وأحضره ، ومر بجز شعر قفاه ، قال المتوكل : لما أتاني رسوله لبست سواداً جديداً ، وأتيته رجاء أن يكون قد أتاه الرضا عني ، فاستدعى حجاماً وأخذ شعري على السواد الجديد ، ثم ضرب به وجهي ، فلما ولي المتوكل الخلافة أمهله إلى صفر ، وأمر إيتاخ بأخذ ابن الزيات وتعذيبه ، فاستدعاه وأدخله حجرة ووكل به ، وأرسل من أصحابه من هجم منازله وأخذ كل ما فيها ، واستصفى أمواله وأملاكه في جميع البلاد ، ثم جعله في تنور كان قد عمله هو وعذب به ابن أسباط وأخذ ماله ، وكان التنور من خشب فيه مسامير من حديد ، أطرافها إلى داخل التنور ، يمنع من يكون فيه من الحركة ، وكان ضيقاً بحيث إن الإنسان إذا دخل فيه يمد يديه إلى رأسه ليقدر على دخوله لضيقه ، فبقي أياماً ومات لإحدي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول منها ، وقيل : بل ضرب فمات وهو يضرب ، وقيل مات بغير ضرب ، وقد تقدم أن المتوكل حرقه بالنار والله أعلم .
ولما مات ألقي على الباب بقميص فغسل ودفن ، فقيل إن الكلاب نبشته وأكلت لحمه . قال : وسمع قبل موته يخاطب نفسه ويقول : يا محمد لم تقنعك النعمة