كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 22)

"""""" صفحة رقم 209 """"""
يحضر الفداء ويستخلف على القضاء ، فأذن له المتوكل واستخلف على القضاء ابن أبي الشوارب - وهو شاب ، ووقع الفداء على نهر اللامس ، فكان أسرى المسلمين من الرجال سبعمائة وخمسة وثلاثين رجلاً ، ومن النساء مائة وخمساً وعشرين امرأة .
ذكر غارة البجاة بمصر
في هذه السنة غارت البجاة على أرض مصر ، وكانت قبل ذلك لا تغير لهدنة قديمة ، وكانوا يؤدون إلى عمال مصر الخمس مما في بلادهم من معادن الذهب ، فامتنعوا من ذلك فكتب صاحب البريد إلى المتوكل بخبرهم ، وأنهم قتلوا عدة من المسلمين ممن يعمل في المعادن ، وزاد شرهم حتى خاف أهل الصعيد منهم على أنفسهم ، فولى المتوكل محمد بن عبد الله القمي حربهم ، واستعمله على معونة قفط والأقصر وأرمنت وإسنا وأسوان ، وأمره بمحاربة البجاة ، وكتب إلى عنبسة بن إسحاق الضبي - عامل حرب مصر - بإزاحة علته وإعطائه من الجند ما يحتاج إليه ففعل ، وسار محمد إلى أرض البجاة وتبعه من المتطوعة وعمال المعادن خلق كثير ، فبلغت عدتهم نحواً من عشرين ألفاً من فارس وراجل ، وحمل له في بحر القلزم سبع مراكب موقورة بالدقيق والزيت والتمر والشعير والسويق ، وسارت لتوافيه على ساحل البحر ببلاد البجاة ، وسار هو إلى بلادهم في البر حتى بلغ حصونهم ، فخرج إليه ملكهم - واسمه علي بابا - في جموع عظيمة أضعاف المسلمين وهم على المهاري ، فلم يصدقهم القتال وأراد مطاولتهم حتى تفنى أزوادهم ، فيأخذهم باليد من غير حرب ، فأقبلت المراكب التي فيها الأقوات ففرقها محمد - على من معه ، فعندها صدقهم علي بابا القتال وقاتلهم قتالاً شديداً ، وكانت إبلهم زعرة تنفر من كل شيء ، فجمع القمي الأجراس وجعلها في أعناق خيله ، وحمل عليهم فنفرت إبل البجاة لأصواتها وتفرقت ، وسارت على الجبال والأودية وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون إلى الليل ، ولم يقدروا على إحصاء القتلى لكثرتهم ، ثم طلب ملكهم الأمان على أن يرد عليه مملكته وبلاده ، ويؤدي الخراج للمدة التي منعها وهي أربع سنين ،

الصفحة 209