كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 22)
"""""" صفحة رقم 217 """"""
بقوله ثم عادوا بغلظة وشدة وأخذوا المعتز بعنف ، وأدخلوه بيتاً فدخل إليه المؤيد ، وقال له : ويلك يا جاهل ، إنهم نالوا من أبيك - وهو هو - ما نالوا ، ثم تمتنع عليهم ؟ اخلع ولا تراجعهم وإن كان في سابق علم الله أن تلي لتلين ، فقال أفعل ، فخرج المؤيد وقال : قد أجاب إلى الخلع ، فمضوا وأعلموا المنتصر وعادوا ومعهم كاتب ، فجلس وقال للمعتز : اكتب بخطك خلعك ، فقال المؤيد : هات قرطاسك - إمل ما شئت ، فأملى عليه كتاباً إلى المنتصر يعلمه فيه ضعفه عن هذا الأمر ، وأنه لا يحل له أن يأثم المتوكل بسببه ، إذ لم يكن موضعاً له ، ويسأله الخلع ويعلمه أنه قد خلع نفسه وأحل الناس من بيعته - فكتب ذلك ، وقال للمعتز : اكتب فأبى فأعاد عليه فكتب ، وخرج الكاتب عنهما ثم دعاهما المنتصر ، فدخلا عليه فأجلسهما ، وقال : هذا كتابكما ؟ قالا : نعم يا أمير المؤمنين ، فقال لهما - والأتراك قيام - أترياني خلعتكما طمعاً في أن أعيش حتى يكبر ولدي وأبايع له ؟ لا - والله - ما طمعت في ذلك ساعة قط ، وإذ لم يكن لي في ذلك طمع فوالله لئن يليها بنو أبي أحب إلي من أن يليها بنو عمي ، ولكن هؤلاء - وأومأ إلى سائر الموالي ممن هو قائم عنده وقاعد - وقد ألحوا في خلعكما - فخفت إن لم أفعل أن يعترضكما بعضهم بحديدة ، فيأتي عليكما فما ترياني صانعاً ؟ أقتله فوالله ما تفي دماؤهم كلهم بدم بعضكم ، فكانت إجابتهم إلى ما سألوا أسهل فقبلا يده وضمهما ، ثم أشهدا على أنفسهما القضاة وبني هاشم والقواد ووجوه الناس بالخلع ، وكتب بذلك المنتصر إلى محمد بن طاهر وغيره .
ذكر وفاة المنتصر بالله
كانت وفاته يوم السبت لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين ، وقيل يوم الأحد وهو لخمس خلون منه . وكانت علته الذبحة في حلقه ، أخذته يوم الخميس لخمس بقين من شهر ربيع الأول ، وقيل كانت علته من ورم في معدته ثم صعد إلى فؤاده فمات ، وقيل إنه وجد حرارة فدعا بعض أطبائه ، فقصده بمبضع مسموم فمات ، وانصرف الطبيب إلى منزله وقد وجد حرارة ، فدعا تلميذاً له ليفصده ، ووضع مباضعه بين يديه ليتخير أجودها ، فأخذ ذلك المبضع المسموم - وقد نسيه الطبيب - ففصده به ، فلما فرغ نظر إليه فعرفه ، فأيقن الهلاك ووصى من ساعته ومات ، وقيل غير ذلك .
قال : ولما أفضت الخلافة إليه كان كثير من الناس يقولون : إنما مدة خلافته ستة أشهر - مدة شيرويه بن كسرى قاتل أبيه ، يقولها الخاصة والعامة . وقيل إن المنتصر رأى