كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 22)

"""""" صفحة رقم 218 """"""
في منامه رؤيا فانتبه وهو يبكي وينتحب ، فسمعه عبد الله بن عمر البازيار فأتاه ، فسأله عن سبب بكائه فقال : رأيت فيما يرى النائم المتوكل قد جاءني وهو يقول : ويحك يا محمد : قتلتني وظلمتني وغبنتني خلافتي ، والله لا متعت بها أبداً إلا أياماً يسيرة ، ثم مصيرك إلى النار ، فقال له عبد الله : هذه رؤيا وهي تصدق وتكذب ، بل يعمرك الله ويسرك ، ادع بالنبيذ وخذ في اللهو ولا تعبأ بها ، ففعل ذلك ولم يزل منكسراً حتى مات . وروى أبو الفرج بن الجوزي بسنده عن علي بن يحيى المنجم قال : جلس المنتصر بالله في مجلس كان أمر أن يفرش له ، وكان في بعض البسط دائرة كبيرة ، فيها مثال فرس وعليه راكب وعلى رأسه تاج ، وحوالي الدائرة كتابة بالفارسية ، فلما جلس المنتصر وجلس الندماء ووقف على رأسه وجوه الموالي والقواد نظر إلى تلك الدائرة وإلى الكتابة التي حولها ، فقال لبغا : إيش هذا الكتاب ؟ فقال : لا أعلم يا سيدي ، فسأل من حضر من الندماء ، فلم يحسن أحد أن يقرأه ، فالتفت إلى وصيف وقال : أحضر لي من يقرأه ، فأحضر رجلاً فقرأ الكتابة وقطب ، فقال له المنتصر : ما هو ؟ فقال له : يا أمير المؤمنين ليس له معنى ، فألح عليه وغضب ، فقال : يقول - أنا شيرويه بن كسرى بن هرمز قتلت أبي فلم أمتع بالملك إلا ستة أشهر ، فتغير وجه المنتصر وقام عن مجلسه إلى النساء ، فلم يمكث إلا ستة أشهر ومات ، وكانت خلافته ستة أشهر ويومين ، وقيل ستة أشهر سواء ، وعمره خمس وعشرون سنة وستة أشهر ، وقيل أربع وعشرون سنة ، ووفاته بسامرا . ولما حضرته الوفاة أنشد :
فما فرحت نفسي بدنيا أخذتها . . . ولكن إلى الرب الكريم أصير
وصلى عليه أحمد بن المعتصم . وكان مربوعاً أسمر أعين حسن الوجه ذا شهامة وشدة . وكان له أربعة أولاد ذكور . وزيره : أحمد بن الخصيب . حجابه : وصيف ثم بغا ثم ابن المرزبان ثم أوتامش . قاضيه : جعفر العباسي . أمير مصر : يزيد بن عبد الله . قاضيها : بكار .
ذكر خلافة المستعين بالله
هو أبو العباس أحمد بن محمد بن المعتصم بن الرشيد ، وأمه أم ولد اسمها مخارق ، وهو الثاني عشر من الخلفاء العباسيين ، بويع له يوم الإثنين لأربع وقيل لست خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين ، وكان سبب بيعته أنه لما مات المنتصر اجتمع الموالي في الهاروني من الغد ، وفيهم بغا الكبير وبغا الصغير وأوتامش وغيرهم ، واستحلفوا قواد الأتراك والمغاربة والأشروسنية على أن يرضوا بمن رضي به

الصفحة 218