كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 22)

"""""" صفحة رقم 233 """"""
الأربعاء لليلة بقيت من شهر رجب سنة خمس وخمسين ومائتين ، ولقب بالمهتدي ولم يقبل بيعته أحد حتى أتى بالمعتز فخلع نفسه ، وأقر بالعجز عما أسند إليه وبالرغبة في تسليمها إلى محمد بن الواثق وبايعه ، فبايعه الخاصة والعامة بسامرا ، قال : وكتب إلى سليمان بن عبد الله أن يأخذ له البيعة ببغداد ، فورد كتابه في سلخ شهر رجب ، وكان أبو أحمد بن المتوكل ببغداد فأرسل سليمان إليه فأخذه إلى داره ، فثار من ببغداد من الجند والعامة لما بلغهم خبر المعتز ، وأتوا باب سليمان فقاتلهم أصحابه ، فقيل لهم ما ورد علينا من سامرا خبر فانصرفوا ورجعوا من الغد ، وهجموا دار سليمان في اليوم الثالث ونادوا باسم أبي أحمد ودعوا إلى بيعته ، وسألوا سليمان أن يريهم أبا أحمد فأظهره لهم ووعدهم الخير ثم أرسل إليهم من سامرا مال ففرق فيهم ، فرضوا وبايعوا للمهتدي وذلك لسبع خلون من شعبان .
ذكر ظهور قبيحة أم المعتز بالله
كانت قد خرجت من السرداب الذي صنعته في دارها واستترت ، وكان سبب هربها أنها كانت واطأت بعض الكتاب على الفتك بصالح بن وصيف ، فأوقع بهم صالح وعذبهم فعلمت أنهم لا يكتمون عنه أمرها ، فخرجت وأخرجت ما في الخزائن إلى خارج الجوسق ، فلما جرت الحادثة على ابنها علمت أن حالها لا يخفى ، وأن الذي تختفي عنده يطمع في مالها وفي نفسها ويتقرب إلى صالح ، فأرسلت امرأة عطارة إلى صالح بن وصيف فتوسطت الحال بينهما ، وظهرت في شهر رمضان وأحضرت أموالها من بغداد وهي خمسمائة ألف دينار ، وظفروا لها بخزائن تحت الأرض فيها أموال كثيرة ، من جملتها دار وجد فيها ألف ألف وثلاثمائة ألف دينار ، ووجدوا في سفط مقدار مكوك من الزمرد لم ير الناس مثله وفي سفط آخر مكوك من اللؤلؤ الكبار ، وفي سفط آخر مقدار كليجة من الياقوت الأحمر الذي لا يوجد مثله ، فحمل الجميع إلى صالح ، فسبها وقال : عرضت ابنها للقتل في خمسين ألف دينار - وعندها هذا المال جميعه ثم سارت قبيحة إلى مكة فسمعت تدعو على صالح بصوت عال تقول : اللهم اخز صالحاً كما هتك ستري ، وقتل ولدي ، وبدد شملي وأخذ مالي ، وغربني عن بلدي ، وركب الفاشحة مني ، وكان المتوكل سماها قبيحة لجمالها - فهو من أسماء الأضداد .

الصفحة 233