كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 22)
"""""" صفحة رقم 236 """"""
فاجتمع أصحاب بايكباك وغيرهم من الأتراك وقالوا : لم حبس قائدنا ؟ ولم قتل محمد بن بغا ؟ وكان عند المهتدي صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور فشاوره فيه ، فقال : إنه لم يبلغ أحد من آبائك ما بلغته من الشجاعة ، وقد كان أبو مسلم أعظم شأناً عند أهل خراسان من هذا عند أصحابه ، وقد كان فيهم من يعبده ، فما كان إلا أن طرح رأسه حتى سكنوا ، فلو فعلت مثل ذلك سكنوا ، فركب المهتدي وقد جمعوا له جميع المغاربة والأتراك والفراغنة ، فصير في الميمنة مسروراً البلخي - وفي الميسرة يارجوخ - ووقف هو في القلب مع أسارتكين وطبايغو وغيرهما من القواد ، وأمر بقتل بايكباك فقتل وألقى رأسه إليهم عتاب بن عتاب فقتلوه ، وعطفت ميمنة المهتدي وميسرته بمن فيها من الأتراك فصاروا مع إخوانهم الأتراك ، فانهزم الباقون عن المهتدي وقتل جماعة من الفريقين ، فانهزم المهتدي وبيده السيف وهو ينادي : يا معشر الناس - أنا أمير المؤمنين ، قاتلوا عن خليفتكم فلم يجبه أحد من العامة ، فصار إلى السجن وأطلق من فيه وهو يظن أنهم يعينونه فهربوا ، فصار إلى دار أحمد بن جميل صاحب الشرطة فدخلها وهم في أثره ، فدخلوا عليه وأخرجوه وساروا به إلى الجوسق وهو على بغل ، فحبس عند أحمد بن خاقان وقبل المهتدي يده - فيما قيل - مراراً كثيرة ، وأرادوه على الخلع فأبى واستسلم للقتل ، فداسوا خصيتيه فمات وأشهدوا على موته أنه سليم ليس فيه أثر ، قال : وكانوا قد خلعوا أصابع يديه ورجليه من كعبيه ، وقيل إن ابن عم بايكباك وجأه بسكين فقتله وشرب من دمه ، قال : وطلبوا محمد بن بغا فوجدوه ميتاً فكسروا على قبره ألف سيف .
وكانت خلافة المهتدي أحد عشر شهراً وخمسة عشر يوماً ، وكان عمره ثمانياً وثلاثين سنة ، وقيل أكثر إلى أربعين سنة وقيل أقل إلى سبع وثلاثين . وكان مربوعاً أسمر واسع الجبهة رقيقاً أشهل طويل اللحية عظيم البطن ، وكان حسن الطريقة . قال : وصلى عليه القاضي جعفر بن عبد الواحد الهاشمي ، ودفن بسامرا وكان مولده بالقاطول . وكان نقش خاتمه : من تعدى الحق ضاق مذهبه . وكان له من الأولاد خمسة عشر ذكراً . وزراؤه أبو أيوب سليمان بن وهب وجعفر بن محمود الإسكافي وأبو صالح عبد الله بن محمد وغيرهم ، قاضيه : الحسن بن أبي الشوارب ثم عبد الرحمن بن نائل البصري . حجابه : صالح بن وصيف وبايكباك وموسى بن بغا . الأمير بمصر : أحمد بن طولون . قاضيها بكار .