كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 22)

"""""" صفحة رقم 237 """"""
ذكر شيء من سيرة المهتدي
كان رحمه الله من أحسن الخلفاء طريقة ، وأكثرهم ورعاً وعبادة ، قال عبد الله بن إبراهيم الإسكافي : جلس المهتدي يوماً للمظالم فاستعداه رجل على ابن له ، فأمر بإحضاره فأحضر وأقامه إلى جانب خصمه ، فقال الرجل للمهتدي : والله ما أنت - يا أمير المؤمنين - إلا كما قال القائل :
حكمتموه فقضى بينكم . . . أبلج مثل القمر الزاهر
لا يقبل رشوة في حكمه . . . ولا يبالي عنت الخاسر فقال المهتدي : أما أنت أيها الرجل فأحسن الله مقالتك ، وأما أنا فما جلست حتى قرأت " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة " الآية ، فما رأيت باكياً أكثر من ذلك اليوم . وقال أبو العباس هاشم بن القاسم الهاشمي : كنت عند المهتدي في بعض عشايا رمضان ، فقمت لأنصرف فأمرني بالجلوس فجلست حتى صلى بنا المغرب ، ثم أمر بالطعام فأحضر : طبق خلاف عليه رغيفان وفي إناء ملح وفي آخر زيت وفي آخر خل ، فدعاني إلى الأكل فأكل وأكلت مقصراً ، ظناً مني أنه يحضر طعاماً جيداً ، فلما رأى أكلي كذلك قال : أما كنت صائماً ؟ قلت : بلى ، ولست تريد الصوم غداً ؟ قلت : وكيف لا وهو شهر رمضان فقال : كل واستوف عشاك فليس هناك غير ما ترى ، فعجبت من قوله وقلت : لم - يا أمير المؤمنين ؟ أسبغ الله عليك النعمة ووسع رزقه ، فقال : إن الأمر على ما ذكرت والحمد لله ، ولكني فكرت أنه كان من بني أمية عمر بن عبد العزيز فغرت على بني هاشم ألا يكون في خلفائهم مثله ، فأخذت نفسي بما رأيت ، قال إبراهيم بن مخلد عن بعض الهاشميين : إنهم وجدوا للمهتدي سفطاً فيه جبة صوف وكساء وبرنس ، وكان يلبس ذلك بالليل ويصلي ، ويقول : أما يستحي بنو العباس ألا يكون فيهم مثل عمر بن عبد العزيز ، ولما قتله الأتراك تضاربوا على السفط وقدروا أن فيه ذخائره ، فلما اطلعوا على ما فيه أظهروا الندم على قتله . وكان قد اطرح الملاهي وحرم الغناء والشراب ، ومنع أصحاب السلطان عن الظلم .
قال ابن الجوزي : وكان شديد الإشراف على أمر الدواوين والخراج ، يحبس نفسه في الحسابات ، وكان يجلس في يوم الخميس والإثنين والكتاب بين يديه رحمه الله تعالى .

الصفحة 237