كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 22)

"""""" صفحة رقم 48 """"""
المنصور فرجع أبو الخصيب وأخبر المنصور ، فخاف أن يمضي أبو مسلم إلى خراسان ، فكتب إليه : إني قد وليتك مصر والشام ، فهي خير لك من خراسان ، فوجه إلى مصر من أحببت وأقم بالشام ، فتكون بقرب أمير المؤمنين ، فإن أحب لقاءك أتيته من قرب ، فلما أتاه الكتاب غضب وقال : يوليني مصر والشام وخراسان لي فكتب الرسول إلى المنصور بذلك .
وأقبل أبو مسلم من الجزيرة وقد أجمع على الخلاف ، وخرج يريد خراسان ، وسار المنصور من الأنبار إلى المدائن ، وكتب إلى أبي مسلم في المسير إليه ، فكتب إليه أبو مسلم وهو بالزاب : إنه لم يبق لأمير المؤمنين عدو إلا أمكنه الله منه ، وقد كنا نروي عن ملوك بني ساسان : إن أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء ، فنحن نافرون من قربك ، حريصون على الوفاء لك ما وفيت ، حريون بالسمع والطاعة ، غير أنها من بعيد حيث تقارنها السلامة ، فإن أرضاك ذلك فأنا كأحسن عبيدك ، وإن أبيت إلا أن تعطي نفسك إرادتها نقضت ما أبرمت من عهدك ضناً بنفسي ، فلما وصل الكتاب إلى المنصور كتب إليه : قد فهمت كتابك ، وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغشيشة ملوكهم ، الذين يتمنون اضطراب حبل الدولة لكثرة جرائمهم ، وأنت في طاعتك ومناصحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء هذا الأمر ما أنت به ، وليس من الشريطة التي أوجبت منك سمعاً ولا طاعة ، وحمل إليك أمير المؤمنين عيسى بن موسى رسالة ، لتسكن إليها أن أصغيت ، وأسأل الله أن يحول بين الشيطان ونزاغته وبينك ، فإنه لم يجد باباً يفسد به ذات بينك أوكد عنده وأقرب من الباب الذي فتحه عليك . وقيل إن مكاتبة أبي مسلم إلى المنصور كانت على خلاف ما قدمناه . وأن المنصور لما سار إلى المدائن أخذ أبو مسلم طريق حلوان . فقال المنصور لعمه عيسى بن علي ولمن حضره من بني هاشم : اكتبوا إلى أبي مسلم ، فكتبوا إليه يعظمون أمره ويشكرونه ، ويسألونه أن يتم ما كان منه وعليه من الطاعة ، ويحذرونه عاقبة البغي ، ويأمرونه بالرجوع إلى المنصور ، وبعث المنصور الكتب مع أبي حميد المرورذي وقال له : كلم أبا مسلم بالين ما تكلم به أحداً ، ومنه وأعلمه أني رافعه وصانع به ما لم أصنع بأحد - إن هو صلح وراجع فله ما أحب ، فإن أبى فقل له :

الصفحة 48