كتاب بصائر في الفتن

قال عبد الواحد بن زيد للحسن البصريّ- وكلاهما من التابعين-:
"يا أبا سعيد، أخبرني عن رجل لم يشهد فتنة ابن المهلب بن أبي صفرة (¬1) إلَّا أنه عاون بلسانه، ورضي بقلبه"، فقال الحسن: "يابن أخي كم يد عقرت الناقة؟ "، قلت: "يد واحدة" قال: "أليس قد هلك القوم جميعًا برضاهم وتماليهم؟ " (¬2).
ولعل النزعة الخارجية التي تُطل برأسها من وقت إلى آخر لتبعث الحياة في فِكْر الخوارج الأولين وسلوكهم هي المسئولة عن كثير من التعديات على الحرمات، فقد قال- صلى الله عليه وسلم - في شأن الخوارج: "يقتلون أهل الإِسلام، ويَدَعون أهل الأوثان" (¬3)، وهذه العلامة هي التي جعلت أحد العلماء، وقد وقع مرة في يد بعض الخوارج، فسألوه عن هُويته، فقال: "مشرك مستجير، يريد أن يسمع كلام الله"، وهنا قالوا له: "حقٌّ علينا أن نجيرك، ونُبْلِغَكَ مأمنك"، وتلوا قول الله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: 6]، بهذه الكلمات نجا "مشرك مستجير"، ولو قال لهم: "مسلم" لقطعوا رأسه (¬4).
¬__________
(¬1) وكان قد إنشقً عن الدولة الإِسلامية معتمدًا على وجاهة أبيه، وكان أبوه - رحمه الله تعالى- مبيدًا للخوارج.
(¬2) "الزهد" للإمام أحمد ص (289).
(¬3) رواه الإِمام أحمد (3/ 68)، والبخاري رقم (7432) (13/ 415)، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
(¬4) وانظر صورًا مماثلة من تهور الخوارج وانتهاكهم حرمات المسلمين مع تورعهم مع الكافرين في "تلبيس إبليس" لابن الجوزي ص (128، 129).

الصفحة 88