كتاب السيرة النبوية الصحيحة محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية (اسم الجزء: 2)
وفي بداية القتال تراجعت طلائع هوازن أمام تقدم المسلمين تاركين بعض الغنائم التي أقبل على جمعها الجند (¬1)، وكأنهم حسبوا أن هوازن قد هزمت هزيمة نهائية، ولكن هوازن فاجأتهم بالسهام الكثيفة تنهال عليهم من جنبات الوادي، وكان بعض المسلمين قد تعجلوا بالخروج دون استكمال عدة القتال، فكان بعضهم حاسري الرءوس، والبعض الآخر من الشبان لم يحملوا معهم السلاح الكافي (¬2) ولم يحسبوا للأمر حسابه، وأمام هول المفاجأة ودقة الرماة من هوازن حتى: "ما يكاد يسقط لهم سهم، فرشقوه رشقاً ما يكادون يخطئون" (¬3) كما وصفهم البراء بن عازب أحد شهود المعركة من الصحابة - فانكشفت خيالة المسلمين ثم المشاة، وفر الطلقاء والأعراب، ثم بقية الجيش، حتى لم يصمد مع الرسول صلى الله عليه وسلم سوى فئة قليلة صمدت بصموده.
لقد استمر القتال في هذه الجولة الأولى من الفجر إلى العشاء ثم طيلة الليل ثم انكشف المسلمون وأدبروا، وكان الحر خلال النهار شديداً فكان المسلمون يأوون قبل المعركة إلى ظلال الأشجار في النهار، أما في وقت المعركة فكانوا معرضين للشمس الملتهبة، وكانت الأرض رملية فكان الغبار يرتفع في وجوههم، فيحد من قدرة المقاتلين على الرؤية كما عبر أحدهم: "فما منا أحد يبصر كفَّه" (¬4). في حين استفادت هوازن من كمائنها في المنعطفات والشعاب.
¬__________
(¬1) صحيح البخاري 4/ 25 ومسلم 3/ 1401.
(¬2) صحيح البخاري 4/ 35، 5/ 126 وصحيح مسلم 3/ 1400 - 1401 من حديث البراء بن عازب أحد شهود المعركة.
(¬3) صحيح البخاري 4/ 35 وصحيح مسلم 3/ 1400 - 1401.
(¬4) مسند أحمد 5/ 268 وسنن أبي داؤد 2/ 649 ومسند البزار (كشف الأستار 2/ 350) وطبقات ابن سعد 2/ 156 ومداره على أبي همام عبد الله بن يسار وهو مجهول لم يوثقه سوى ابن حبان، لكن أبا داؤد وصفه بأنه حديث نبيل ووثق سنده الهيثمي (مجمع الزوائد 6/ 182) وابن حجر (مختصر زوائد مسند البزار ص 251 رقم 816) والزرقاني (شرح المواهب اللدنية 3/ 13).