كتاب السيرة النبوية الصحيحة محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية (اسم الجزء: 2)

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يركب بغلته دلدل (¬1) رغم امتلاكه للخيل وبذلك يرسخ في أذهان المسلمين فكرة الصمود، فالبغلة لا تصلح للكر والفر ولا للإدبار خلافاً للخيل، وكان الرسول ينظر إلى إدبار المسلمين ويدعوهم للثبات وهو يدفع بغلته للأمام ويقول: "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" والعباس عمه وأبو سفيان بن الحارث يمسكان بعنان بغلته لئلا تسرع به خلال العدو (¬2)، وقد تراجع قليل من المسلمين يسيراً (¬3)، في حين ابتعد معظمهم عن الميدان مدبرين ولم يصمد معه سوى عشرة أو اثني عشر من الصحابة كانوا يحيطون به فيهم العباس وأبو سفيان بن الحارث وأبو بكر وعمر وعلي (¬4)، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عمه العباس - وكان جهوري الصوت - فنادى الناس للعودة ثم خص الأنصار وأصحاب الشجرة بالنداء ثم خص بني الحارث بن الخزرج بالنداء فتلاحقوا نحوه حتى صاروا ثمانين أو مائة، فقاتلوا هوازن (¬5)، وبدأوا جولة جديدة مليئة بالشجاعة والصدق والعزيمة والإيمان وحسن التوكل، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله
¬__________
(¬1) وانظر تعليق القسطلاني على ذلك (المواهب اللدنية 1/ 163). وقد انفرد الواقدي بذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس درعين والمغفر والبيضة (المغازي 3/ 895 - 897) والمغفر زرد من الدرع يلبس تحت القلنسوة أو حلق يتقنع به المتسلح، والبيضة تلبس في الرأس (الفيروز آبادي: القاموس المحيط 2/ 103، 3/ 20).
(¬2) مسلم: الصحيح 3/ 1398 - 1400. والحاكم: المستدرك 3/ 255 وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي. وأبو يعلي: المسند 3/ 338 ب رقم 303 ورجاله رجال الصحيح غير عمران بن دوار ففيه كلام. وابن إسحق (سيرة ابن هشام 1/ 442) بإسناد صحيح.
(¬3) الزرقاني: شرح المواهب اللدنية 3/ 19 - 20، وهم الثمانون أو المائة الذين تراجعوا على أقدامهم ولم يولوا الدبر.
(¬4) ابن إسحق (سيرة ابن هشام 2/ 442 بإسناد صحيح إلى جابر بن عبد الله أحد شهود المعركة).
(¬5) مسلم: الصحيح 3/ 1398، 1400 وسيرة ابن هشام 2/ 444 - 445 وعبد الرزاق: المصنف 5/ 380 - 381 وابن سعد. الطبقات 4/ 18.

الصفحة 501