كتاب مصابيح الجامع (اسم الجزء: 10)

وأجيب (¬1): بأن هذا في المنافقين، بدليل بقيةِ الحديث: "والذي نفسي بيده! لو يعلم أحدُهم أنه يجدُ عَرْقاً سميناً (¬2)، أو مَرْماتين حسنتينِ، لشهدَ العشاءَ"، وهذه ليست صفة المؤمنين، لا سيما أكابرهم، وهم الصحابة، وإذا كانت في المنافقين، فالتحريقُ للنفاق، لا لتركِ الجماعة.
قال القاضي عياض: وقد قيل: إن هذا في المؤمنين، وأما المنافقون (¬3)، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مُعْرِضاً عنهم، عالماً بطَوِيَّاتهم، كما أنه لم يتعرَّضْ لهم في التخلُّف، ولا عاتَبَهم عليه معاتبةَ كعبٍ وأصحابِه من المؤمنين (¬4).
واعترضه ابنُ دقيق العيد: بأن هذا إنما يلزمُ إذا كان تركُ معاقبةِ المؤمنين واجباً على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فحينئذ يمتنعُ أن يعاقبهم بهذا التحريق، فيجب أن يكون الكلامُ في المؤمنين.
وإما أن يقال: إن عقابَ المنافقين وتركَه كان مباحاً له - عليه السلام -، مُخَيَّراً فيه، فحينئذ لا يتعينُ حملُ هذا على المؤمنين؛ إذ يجوزُ أن يكون في المنافقين؛ لجوازِ معاقبته لهم، وليس في إعراضه - عليه السلام - عنهم بمجرده ما يدلُّ على وجوبِ ذلك عليه، ولعل قولَه - عليه السلام - عندما طُلب منه قتلُ بعضهم: "لا يُتَحَدَّثْ أَنَّ مُحَمَّداً يَقْتُلُ أَصْحَابَهَ" (¬5) يُشعر بما
¬__________
(¬1) في "ج": "فرض واجب".
(¬2) في "ج": "عرقاً شديداً".
(¬3) في "ج": "الكافرون".
(¬4) انظر: "إكمال المعلم" (2/ 623).
(¬5) رواه البخاري (4905) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

الصفحة 128