كتاب مصابيح الجامع (اسم الجزء: 10)

فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ: أَوَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، فَأَسْرَعَ وَبَذَرَ، فَتَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ وَتَكْوِيرُهُ أَمْثَالَ الْجبَالِ، فَيقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: دُونَكَ يَا بْنَ آدَمَ؛ فَإِنَّهُ لاَ يُشْبِعُكَ شَيْءٌ"، فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لاَ تَجدُ هَذَا إِلَّا قُرَشِيّاً أَوْ أَنْصَارِيّاً؛ فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، فَأَمَّا نَحْنُ، فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -.
(فيقول الله - عز وجل -: دونك يا بن آدم؛ فإنه لا يُشبعك شيء): هذا هو الباعثُ على إدخالِ هذا الحديث في ترجمة كلام الله تعالى مع أهل الجنة.
فإن قيل: قولُه: "لا يُشبعك شيءٌ" معارَض بقولِه تعالى: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى} [طه: 118].
فالجواب: أن نفي الشبع أعمُّ من الجوع؛ لثبوت الواسطة، وهي الكفاية، وأكلُ أهلِ الجنة لا عن جوعٍ أصلاً؛ لنفي الله له عنهم.
واختُلف في الشبع، والمختار: أن لا شِبَعَ (¬1)؛ لأنه لو كان فيها (¬2)؛ لمنعَ طولُ الأكلِ المُسَتلذِّ منها مدةَ الشِّبَع، وإنما أراد بقوله (¬3) لابن (¬4) آدم: "لا يُشبعك شيءٌ": ذَمَّ تركِ القناعة مما كان فيه، وطلب (¬5) الزيادة عليه (¬6)، وروي: "لا يَسَعُكَ شَيْءٌ"؛ من الوُسْع.
¬__________
(¬1) في "ج": "يشبع".
(¬2) في "ج": "منهما".
(¬3) في "ج": "أراد الله بقوله".
(¬4) في "ج": "ابن".
(¬5) في "ج": "طلب".
(¬6) انظر: "التوضيح" (33/ 487).

الصفحة 254