ثم لا يُعقل المرء عن الخطأ ما لم يعرف الصواب من الخطأ، والخطأ من الصواب.
والمراد من الصواب ما صوَّبه الشرع، والخطأ ما كان بخلافه.
فرجع معنى العقل إلى متابعة الشرع، فالعاقل من عَقَله عَقْلُه بعُقال الشرع، وعن تعدي حدود الشرع ومتابعة هوى نفسه.
وكلما كان الإنسان متابعاً للشرع كان أمكن في العقل بدليل قوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10].
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أي: لو كنا نسمع الهدى أو نعقله فنعمل به ما كنا في أصحاب السعير (¬1).
وروى الحارث بن أبي أسامة عن أبي سعيد - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "لِكُلِّ شَيءٍ دِعامَةٌ، وَدِعامَةُ عَمَلِ العَبْدِ عَقْلُهُ، فَبِقَدرِ عَقْلِهِ تَكُوْنُ عِبادتُهُ، أَما سَمِعتُم قَولَ الفاجِرِ: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10]؟ " (¬2).
¬__________
(¬1) انظر: "تفسير الثعلبي" (9/ 358).
(¬2) رواه الحارث بن أبي أسامة في "المسند" (840)، وكذا الديلمي في "مسند الفردوس" (4999). قال ابن حجر في "المطالب العالية" (13/ 725): هذه الأحاديث من "كتاب العقل" لداود بن المحبر، كلها موضوعة، ذكرها الحارث في "مسنده" عنه.
وقال في "تهذيب التهذيب" (3/ 173) في ترجمة داود بن محبر: قال الإمام أحمد: شبه لا شيء، كان لا يدري ما الحديث، وقال الدارقطني: متروك الحديث. =