كتاب المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (اسم الجزء: 10)
وأجيب عن هذا الحديث بثلاثة أجوبة:
الجواب الأول:
ذهب أبو حاتم الرازي إلى أن قوله: (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) مدرج من كلام جابر، وليس من كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن لفظ الحديث مكون من جملتين: أحدهما حكاية من جابر عن قضاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: (قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل ما لم يقسم) فهذا اللفظ ليس لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما هو لفظ جابر حكاية عن حكم النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والجملة الثانية (فإذا وقعت الحدود ... ) هذه جملة قولية، فالذين يرون أنها من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - يرون الالتفات من حكاية جابر - رضي الله عنه - لقضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى نقل جابر لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -، دون أن يكون هناك دليل على هذا الالتفات، ولو كان هذا القول صادرًا من النبي - صلى الله عليه وسلم - لاقتضى ذلك أن يقول جابر، وقال: فإذا وقعت الحدود، ليفصل جابر بين حكاية، وبين قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما لم يذكر القول للنبي صارت الجملة القولية من جابر أيضًا, وليس في الحديث ما يدل على أنه من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬١).
جاء في العلل لابن أبي حاتم: "سألت أبي عن حديث رواه معمر، عن
---------------
(¬١) ولهذا أمثلة من السنة، منها ما رواه البخاري (٥٣٠) ومسلم (١٧) من حديث ابن عباس في قصة وفد عبد القيس لما أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفيه: فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع.
أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده ...
ونهاهم عن أربع، عن الحنتم والدباء والنقير، والمزفت، وربما قال المقير. وقال: احفظوهن، وأخبروا بهن من رواءكم.
فهنا الصحابي لما انتقل من حكاية ما أمر به النبي وما نهى عنه إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء بلفظ: قال؛ ليبين أن القول قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -.