كتاب موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (اسم الجزء: 10)

والذي يظهر واللَّه أعلم أحد أمرين:
الأول: إما أن شيخ الإسلام يميل إلى القول بفناء النار دون الجزم به.
الثاني: أن شيخ الإسلام لا يرى القول بفناء النار ولا يميل له أيضًا، وإنما أراد بذكر الخلاف في المسألة وتقوية أدلة القائلين بفناء النار أن يُبيِّن أن المسألة محل خلاف معتبر، وأن المخالف فيها لا يُضلل، ولا يُبدع؛ إذ الخلاف فيها مأثور عن السلف، لا سيما وأن سبب الرسالة أن تلميذه ابن القيم سأل شيخه ابن تيمية عن مسألة فناء النار، وأنها من المسائل المشكلة (¬1)، فبَين له شيخ الإسلام الجواب باستقصاء أدلة الفريقين، مع الموازنة في الأدلة، حتى ظن من ظن بأنه يقول بفناء النار أو يميل إليه.
وهذا الثاني هو الأظهر في نظر الباحث، واللَّه أعلم (¬2).
¬__________
(¬1) وقد بيَّن ذلك ابن القيم حيث قال في كتابه "شفاء العليل" (1/ 264): "وكنت سألت عنها شيخ الإسلام قدس اللَّه روحه، فقال لي: هذه المسألة عظيمة كبيرة، ولم يجب فيها بشيء، فمضى على ذلك زمنًا، حتى رأيت في تفسير "عبد بن حميد الكثي" بعض تلك الآثار التي ذكرت، فأرسلت إليه الكتاب، وهو في مجلسه الأخير، وعلمت على ذلك الموضع، وقلت للرسول: قل له هذا الموضع يشكل علي، ولا يدري ما هم، فكتب فيها مصنفه المشهور رحمة اللَّه عليه".
(¬2) ما ذَكرْته من الخلات المنسوب لبعض الصحابة والسلف ولشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم،
هو باعتبار ذِكر الخلاف المعتبر من أهل السنة والجماعة، وإلا فالمسألة فيها خلاف لطوائف أخرى كالجمهية وغيرهم، ومجمل هذه الأقوال ذكرها السفاريني في "لوامع الأنوار" (2/ 234 - 235) فقال: "أصل ذلك كله سبع أقوال:
أحدها: قول الخوارج والمعتزلة أن من دخل النار لا يخرج منها أبدًا، بل كل من دخلها يخلد فيها أبد الآباد.
والثاني: قول من يقول إن أهلها يعذبون مدة فيها ثم تنقلب عليهم، وتبقى طبائعهم نارية يتلذذون بالنار لموافقتها طبائعهم، وهذا قول ابن عربي الطائي في كتاب فصوص الحكم وغيره من كتبه.
الثالث: قول من يقول إن أهل النار يعذبون فيها إلى وقت محدود ثم يخرجون منها، ويخلفهم فيها قوم آخرون، وهذا القول حكاه اليهود للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فأكذبهم فيه. . .
الرابع: قول من يقول: يخرجون منها وتبقى نارًا بحالها ليس فيها أحد يعذب، ذكره شيخ =

الصفحة 820