كتاب موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (اسم الجزء: 10)
عز وجل يقدر على جمع رماده وإحيائه، وقد غفر له لإقراره وخوفه وجهله" (¬1).
وقال ابن القيم في معرض حديثه عن حكم من جحد فرضًا من فرائض الإسلام: "وأما من جحد ذلك جهلًا، أو تأويلًا يعذر فيه صاحبه: فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة اللَّه عليه، وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح، ومع هذا فقد غفر اللَّه له، ورحمه لجهله، إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة اللَّه على إعادته عنادًا أو تكذيبًا" (¬2).
وقال ابن الوزير: "وإنما أدركته الرحمة لجهله وإيمانه باللَّه والمعاد ولذلك خاف العقاب، وأما جهله بقدرة اللَّه تعالى على ما ظنه محالًا فلا يكون كفرًا إلا لو علم أن الأنبياء جاءوا بذلك وأنه ممكن مقدور ثم كذبهم أو أحدًا منهم لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} (¬3)، وهذا أرجى حديث لأهل الخطأ في التأويل" (¬4).
2 - ومن الأدلة أيضًا على العذر بالجهل عن أبي واقد الليثي -رضي اللَّه عنه- (¬5) قال: خرجنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى حنين ونحن حديثو عهد بكفر -وكانوا أسلموا يوم الفتح- قال: فمررنا بشجرة قلنا: يا رسول اللَّه اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط (¬6)، وكان للكفار سدرة يعفكون حولها ويعلقون بها أسلحتهم يدعونها ذات أنواط فلما قلنا ذلك للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "اللَّه أكبر قلتم
¬__________
(¬1) الفصل في الملل والأهواء والنحل (3/ 140).
(¬2) مدارج السالكين (1/ 338 - 139).
(¬3) سورة الإسراء، آية (15).
(¬4) إيثار الحق على الخلق (349).
(¬5) هو أبو واقد الليثي، اختلف في اسمه، فقيل: الحارث بن مالك، وقيل: ابن عوف، وقيل: عوف ابن الحارث، أسلم قديمًا وكان يحمل لواء بني ليث وضمرة وسعد بن بكير يوم فتح مكة وحنين، مات سنة (68 هـ)، وهو ابن 85 سنة. انظر: معجم الصحابة 2/ 42، الإصابة 7/ 455، تهذيب التهذيب 12/ 295.
(¬6) ذات أنواط: اسم شجرة بعينها كانت للمشركين، ينوطون بها سلاحهم: أي يعلقونه بها، ويعكفون حولها، وأنواط: جمع نوط، وهو مصدر سمي به المنوط. انظر: غريب الحديث لابن الجوزي (2/ 442).