كتاب موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي (اسم الجزء: 10)

ردته بالاتفاق" (¬1). قال القرطبي (671 هـ): "أما السكران الذي لا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة، فلا اختلاف في أنه كالمجنون في جميع أفعال وأحواله فيما بينه وبين الناس، وفيما بينه وبين اللَّه تعالى أيضًا" (¬2).
• مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي:
1 - ما في الصحيحين في حديث طويل في قصة حمزة بن عبد المطلب -رضي اللَّه عنه- (¬3) حينما عقر بعيرَي علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-، فشكا عليٌ ذلك إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فخرج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى دخل على حمزة، فجعل يلومه على ما فعل "فإذا حمزة قد ثمل محمرة عيناه فنظر حمزة إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم صعد النظر، فنظر إلى ركبته، ثم صعد النظر فنظر إلى سرته، ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه، ثم قال حمزة: "هل أنتم إلا عبيدٌ لأَبي"، فعرف رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قد ثمل (¬4)، فنكص رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على عقبيه القهقرى، وخرجنا معه" (¬5).
• وجه الدلالة: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يؤاخذ حمزة -رضي اللَّه عنه- بمقالته: "هل أنتم إلا عبيد لأبي"، مع أنها كفر في ظاهرها؛ إذ هي قدح في النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فترك النبي
¬__________
(¬1) المبسوط (6/ 176).
(¬2) تفسير القرطبي (5/ 204).
(¬3) هو حمزة بن عبد المطلب بن هاشم، كان يقال له أسد اللَّه وأسد رسوله، يكنى أبا عمارة، وأبا يعلى، بابنيه عمارة ويعلى، عم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأخوه من الرضاعة، كان أسن من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بأربع سنين، شهد بدرًا وأبلى فيها بلاء حسنًا، ثم شهد أحدًا واستشهد فيها، قتله وحشي بن حرب، ودفن هو وابن أخته عبد اللَّه بن جحش في قبر واحد. انظر: سير أعلام النبلاء 1/ 172، الإصابة 2/ 121، الأعلام 2/ 278.
(¬4) الثمل: هو الشراب إذا تم تنقيعه حتى يختمر، ويقال: فلان أثمله الشراب، إذا شرب من الشراب الثمل، وفلان ثمل: أي أن الشراب غطى على عقله، وصار الرجل سكرانًا. انظر: تهذيب اللغة (15/ 69)، المعجم الوسيط (1/ 100).
(¬5) صحيح البخاري، كتاب: الخمس، باب: فرض الخمس، (رقم: 2925)، وصحيح مسلم، كتاب: الأشربة، باب: تحريم الخمر وبيان أنها تكون من عصير العنب ومن التمر والبسر والزبيب وغيرها مما يسكر، (رقم: 1979).

الصفحة 876