كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 10)

قال وجاء: ودخلت على سليمان وهو يموت، فجعلتُ إذا أخذتْه سكرة من سكَرات الموت حَرَفْتُه إلى القبلة فيقول: يا رجاء، لم يأنِ لذلك بعد، فعلتُ ذلك مرتين أو ثلاثًا، فلما كان في الثالثة قال: من الآن يا رجاء إن كنتَ تُريد شيئًا، وذكر الشهادتين، فحَرَفْتُه فمات، فأعْمَضْتُه وسَجَّيتُه بقَطيفَةٍ خضراء، وأغلقتُ الباب، وأرسلتْ إليّ زوجتُه تسأل كيف أصبح، فقلت: قد نام وتغطَّى، ونظر إليه رسولُها مُغطَّى بالقَطيفة، فرجع فأخبرها، فقَبِلَتْ وطنَّت أنه نائم.
قال رجاء: وأجلستُ على الباب مَن أثق به، وأوصيتُه أن لا يَريم حتى آتيه، ولا يُدخِل على سليمان أحدًا، وأرسلتُ إلى كعب بن رجاء (¬1) العَنْسِيّ، فجمع أهل بيت أمير المؤمنين في مسجد دابِق، فقلت: بايعوا، فقالوا: بايعْنا مرَّةً أنبايع أخرى؟ قلت: نعم، فبايعوا، فلما أَحكمتُ الأمر قلت: قوموا إلى صاحبكم فقد مات، فاسترجعوا، وقرأت عليهم الكتاب، فلما وصلتُ إلى ذكر عمر قال هشام: لا نبايعه أبدًا، قال رجاء: فقلت له: أَضرب والله عُنُقَك، قم فبايع، فقام وهو يجرُّ رجلَيه.
قال رجاء: وأخذتُ بضَبْعَي عمر، فأجلستُه على المنبر وهو يَسترجع لما وقع فيه، وهشام يسترجع لما أخطأه، فلما انتهى هشام إلى عمر قال له: إنا لله وإنا إليه راجعون، أي: حين صار هذا الأمر إليك على ولد عبد الملك، فقال عمر: نعم فإنا لله وإنا إليه راجعون حين صار إلي لكراهتي له.
قال رجاء: وغُسِّل سليمان وكُفّن، وصَلّى عليه عمر، فلما فرغ من دفنه أُتي بمواكب الخلافة: البراذين والخيل والبغال، ولكلّ دابّة سائس فقال: ما هذا؟ قالوا: مراكب الخلافة، قال عمر: دابّتي أوفقُ لي، فركب بغلتَه وصرف تلك الدواب، ثم أقبل فقيل: تنزل منزل الخلافة، فقال: فيه عيالُ أبي أيوب، وفي فُسطاطي كفاية إلى أن يتحولوا، وأقام في منزله حتى فرغوه بعد ذلك. قال رجاء: فلما كان مساء ذلك اليوم قال: يا رجاء، ادعُ لي كاتبًا - وقد رأيتُ منه كلّما سَرَّني- فدعوته له، فأملى عليه كتابًا بليغًا وَجيزًا بغير نسخة، ثم أمر بذلك الكتاب فنُسخ إلى كل بلد.
¬__________
(¬1) كذا، وقد سلف أنه كعب بن حامز، انظر "طبقات ابن سعد" 7/ 331، و"تاريخ الطبري" 6/ 552، و"تاريخ دمشق" 54/ 133 - 134.

الصفحة 183