كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 10)
يفعلوا مثل ذلك؛ ومع هذا ما تبرَّأتُم منهم، فكيف أتبرَّأ من أهلي؟ ثم بكى عمر، فقالا: نشهد أنك على الحق، وأنك تتحرَّى الخير والعدل والصدق.
ثم مضيا إلى الخوارج، وحكيا لهم ما جرى فقالوا: كُفُّوا عن هذا الرجل ما كَفَّ عنكم، وكان عمر - رضي الله عنه - يقول: ما خصموني إلَّا بيزيد بن معاوية، فأستغفر الله.
ثم رحل بِسطام فنزل حَرَّة؛ مكانًا بأرض الموصل، وعاد عاصم الحَبشيّ إلى عمر - رضي الله عنه - فأقام عنده، فأمر له بعطاء، فمات بعد خمسة عشر يومًا (¬1).
وفيها ولَّى عمر - رضي الله عنه - عُمر بن هُبَيرة الفَزاري عاملًا على الجزيرة، فسار إليها فضبطها، ورحل الخوارج إلى أرمينية.
وكان بالجزيرة سِنان بن مُكمِّل النُّميري، فركب سنان يومًا على بغلة، فساير عمر بن هُبَيرة فزَحَمَتْه، فقال له عمر: غُضَّ من عِنان بغلتك، فقال له سِنان: إنَّها مكتوبة، فخجل عمر.
وذلك لأنَّ عمر أراد أن يُخْجِل سِنانًا بقول القائل: [من الوافر]
فغُضِّ الطَّرْفَ إنك من نُمَيرٍ ... فلا سَعدًا بلغْتَ ولا كِلابا
فَخجّله سِنان، وأراد قولَ القائل: [من البسيط]
لا تأمَنَنَّ فَزاريًّا خَلوتَ به ... على قَلُوصِك واكتُبها بأسيارِ (¬2)
وفيها تزوج محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الحارثيَّة، فولدت له [أبا] العباس السفَّاح في سنة أربع ومئة.
وفيها حُمل يزيد بن المُهَلّب إلى عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -.
قال هشام بن محمد: إن عمر - رضي الله عنه - لما عزل يزيد عن خُراسان جاء إلى واسط، وكان عَديُّ بن أَرْطاة أميرًا على البصرة، فركب يزيد السُّفُن يريد البصرة ليلحق بأهله وأمواله، فأرسل عَديُّ بن أَرْطاة موسى بنَ الوجيه الحِميَريّ، فلحقه بنهر مَعْقِل قريبًا من جسر البصرة، فأوثقه، وبعث به إلى عمر.
¬__________
(¬1) ينظر "أنساب الأشراف" 7/ 151 - 157.
(¬2) "العقد" 2/ 468. والبيت الأول لجرير من قصيدته المشهورة، والثاني لسالم بن دارة.