كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 10)
قال: فخرج معهم وترك ملكه، وأقامَ يتعبَّد معهم، فقال لهم ذات يوم: السلام عليكم. قالوا: فهل رأيتَ منَّا شيئًا تكرهُه؟ قال: لا، ولكنكم تعرفوني، فتعظِّموني، وأحبُّ أن أكون في مكان لا أُعرف، ثم فارقَهم وهم يبكون.
قال: فلما سمع عمر بن عبد العزيز هذا قام، وخرج إلى البَرِّيَّة، وترك الخلافة، فجاءه مسلمة بنُ عبد الملك وقال له: اتق الله في أمَّة محمد - صلى الله عليه وسلم - فواللهِ لئن فعلتَ ليَقتَتِلُنَّ بأسيافهم. فسكن (¬1).
وقال ابن سعد: قيل لعمر: يا أمير المؤمنين، لو أتيتَ المدينة، فإنْ قَضى اللهُ موتًا؛ دُفنْتَ في موضع القبر الرابع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر، فقال: لأَنْ يعذِّبني الله بكل عذاب إلا النار (¬2)، أحبُّ إليَّ من أن يعلم أني أُرى لذلك أهلًا.
وقال عمر - رضي الله عنه - يومًا لكاتبه سليمان بن سعد: بلغني أن عاملنا فلانًا كان زنديقًا. فقال الكاتب: وما يضرُّك؟ قد كان أبو النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كافرًا، فما ضرَّه. فغضبَ عُمر - رضي الله عنه - وقال: ما وجدتَ مثلًا إلا أبا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعزله (¬3).
[قال أبو الحسين الرازي: وسليمان بن سعد هذا من أمراء دمشق، وهو أول من نقل الديوان من اللغة الرومية إلى العربية، وكان مولىً من أهل الأردن] (¬4).
وقال الإمام أحمد رحمه الله: يُروى في الحديث أنَّ الله تعالى يبعثُ على رأس كلِّ مئة سنة لهذه الأمة من يجدِّدُ لها دينَها. فنظَرْنا في المئة الأولى فإذا هو عُمر بن عبد العزيز، وفي الثانية الشافعيّ (¬5).
وقال سفيان الثوري: الخلفاء خمسة. فذكر الأربعة، قال: والخامس عمر بن عبد العزيز (¬6).
¬__________
(¬1) الخبر في "التوابين" لابن قدامة ص 69 - 71 باختلاف يسير.
(¬2) بعدها في "طبقات" ابن سعد 7/ 391: فإني لا صبر لي عليه. ولم يرد هذا الخبر في (ص).
(¬3) تاريخ دمشق 7/ 614 (مصورة دار البشير- ترجمة سليمان بن سعد).
(¬4) المصدر السابق 7/ 612. والكلام بين حاصرتين من (ص).
(¬5) صفة الصفوة 2/ 113.
(¬6) المصدر السابق.