كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 10)
فما فعل ذلك العامل؟ قالت: هلك. قال: وما ترك ولدًا؟ قالت: بلى. قال: وما حالُهم؟ قالت: سيِّئة. فقال لها: شُدِّي عليك ثوبكِ.
ثم كتب إلى عامله عبد الحميد بالكوفة أنْ سَرِّحْ إليَّ فلانَ بنَ فلان على البريد. فسَرَّحه إليه، فلما دخلَ عليه قال له: ارْفَعْ إليَّ جميع ما أغرم الحجاجُ أباك. فلم يرفع شيئًا إلا دفعه إليه، ثم دفع إليه الجارية، وقال: إيَّاك وإيَّاها، فإنها حديثةُ السنِّ (¬1)، ولعل أباك قد ألمَّ بها. فقال الغلام: هي لك يا أمير المؤمنين. فقال: لا حاجة لي فيها. قال: فابْتَعْها مني. قال: لستُ إذَنْ ممَّن ينهى النفس عن الهوى ويأتيه. فقالت الجارية: فأين مَوْجِدتُك بي يا أمير المؤمنين؟ ! فقال: إنها لعلى حالها، ولقد ازدادت. فأخذَهَا الغلام ومضى، ولم تزل الجارية في نفس عمر رحمه الله حتَّى مات (¬2).
أنشد العبَّاس بن علي الهاشمي:
وإني وصبري عنك والشوقُ نارُهُ ... تَوَقَّدُ في الأحشاء أيَّ تَوَقُّدِ
لكالحائم المَهْنُوع رُدَّ شرابهُ (¬3) ... ومصْطبرٍ للقتلِ من كفِّ معتدي
وراكبِ هَوْلٍ وهْو يعلمُ ما الَّذي ... يجيءُ به في عُقْبِه اليومَ أو غَدِ
وهل هو إلا أن أموتَ صَبابةً ... وشوقًا ولم يغلب هواك تجلُّدي (¬4)
ذكر معاتبة بني أمية إيَّاه لما ردَّ المظالم:
قال هشام بن محمد: اجتمعَ ببابه أعيانُ بني أمية، ومنهم مَسْلَمة بنُ عبد الملك، ومَسْلَمة بن سعيد بن العاص، فقال مسلمة بنُ سعيد لمسلمة بن عبد الملك: يا أبا سعيد، ما تقول في هذا الأمر الَّذي نحن فيه؟ قال: تلجؤون إلى الصبر إلى أن تنقضيَ
¬__________
(¬1) كذا في النسخ. وفي "اعتلال القلوب" للخرائطي ص 62: فإنك حديث السن. وهو الأشبه.
(¬2) اعتلال القلوب ص 61 - 62. وأخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" 54/ 158 - 159 مختصرًا. وينظر "البداية والنهاية" 12/ 696 - 697.
(¬3) كذا في (ب) و (خ) و (د)، والمهنوع: من الهَنَع وهو انحناء القامة، أي: عُطف بعضُه على بعض. وفي "اعتلال القلوب " ص 63: الممنوعِ بَرْدَ شرابِهِ. وهو الأشبه.
(¬4) اعتلال القلوب ص 63.