كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 10)

واللهُ أنزلَ في الكتابِ فريضةً ... لابنِ السبيلِ وللفقيرِ العائلِ
ثم وقف بين يديه، فقال له عمر - رضي الله عنه -: يا جرير، اتَقِ الله، ولا تَقُلْ إلا حقًّا. فقال:
أَأَذْكُرُ الجَهْدَ والبلوى التي شملَتْ ... أم أكتفي بالذي أُنبئتَ من خَبَرِي
كم باليمامة من شعثاءَ أرملةٍ ... ومن يتيمٍ ضعيفِ الصوتِ والبصرِ
فمَن يُرَجَّى له من بعدِ والدِه (¬1) ... كالفرخ في العُشِّ لم ينهض ولم يَطِرِ
فبكى عمر بن عبد العزيز حتَّى بل الأرض بدموعه. ثم قال جرير:
يدعوك دعوةَ ملهوفٍ كأنَّ به ... خَبْلًا من الخوفِ أو شيئًا من الشَّررِ (¬2)
ما زِلْتُ بعدَك في هَمٍّ يؤرِّقُني ... قد طال في الحيِّ (¬3) إصعادي ومنحدري
الخيرُ ما دُمْتَ حيًّا لا يفارقُنا ... بُوركتَ يا عُمرَ الخيراتِ من عُمرِ
زاقَ (¬4) الخلافةَ إذْ كانَتْ له قَدَرًا ... كما أَتَى ربَّه موسى على قَدَرِ
هذي الأراملُ قد قَضَيتَ حاجتَها ... فمن لحاجةِ هذا الأرملِ الذكَرِ
فقال له عمر: يا جرير، إني لا أرى لك حقًّا ها هنا، إن الله تعالى يقول: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] فمن أيّ الأصناف أنت؟ قال: أنا ابنُ سبيلٍ منقَطَعٌ به. قال: أولستَ ضيفَ أبي سعيد (¬5)؟ يعني مسلمة. قال: بلى. قال: ما كُنْتُ أحسب أن ضيفَه يكون منقَطَعًا به، وما أرى لك حقًّا. قال: يا أمير المؤمنين إني فقير. قال: لا من أبناء المهاجرين، ولا من أولاد الأنصار، ولا من أولاد التابعين. فقال مسلمة: يا أمير المؤمنين، قد عوَّده الخلائف الإحسان، وإنَّ مثل لسانه ليُتَّقى. قال: يا جرير، عندي عشرون دينارًا، وأربعة أثواب. فدفعها إليه، فلما خرج قال له الشعراء: ما وراءَك؟ قال: إمام يعطي الفقراء، ويمنع الشعراء (¬6).
¬__________
(¬1) بدل هذا الشطر في "الديوان" ص 211، و"العقد الفريد" 2/ 95: ممَّن يعدُّك تكفي فَقْدَ والدِهِ.
(¬2) في الديوان": خَبْلًا من الجنِّ أو خبلًا من النَّشَرِ.
(¬3) في "الديوان": ما زلتُ بعدك في دار تعَرَّقني قد عيَّ بالحيِّ ...
(¬4) في "الديوان" ص 211، و"العقد الفريد" 2/ 96، و"مختصر تاريخ دمشق" 6/ 48: نال.
(¬5) في (ب) و (خ) و (د) (والكلام منها): أبي شاكر. وهو خطأ .. وينظر "الأغاني" 9/ 258.
(¬6) هنا تنتهي إحدى روايتي الخبر، وما بعده تتمة الرواية الأخرى، وقد جمع المصنف بينهما، وقد سلف الكلام عليه.

الصفحة 281