كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 10)

ثم قال عمر: مَنْ بالباب؟ قال مسلمة: كُثيِّر. قال: فليدخل. فلما دخل سلَّم عليه بالخلافة وقال: يا أمير المؤمنين طال الثَّواء، وقلَّت الفائدة (¬1)، وتحدَّثت وفودُ العربِ بجفائك إيَّانا. فقال له عمر - رضي الله عنه -: يا كُثيِّر، اتَّقِ الله، ولا تقلْ إلا حقًّا.
فقال:
وَلِيتَ فلم تَشْتُمْ عليًّا ولم تُخِفْ ... بريئًا ولم تسمع مقالةَ مجرمِ
تكلَّمتَ بالحقِّ المبين وإنَّما ... تَبَيَّنُ آياتُ الهدى بالتكلُّمِ
وقلتَ فصَدَّقْتَ الَّذي قلتَ بالذي ... فعلتَ فأمسى رايشًا كلُّ مسلمِ
ألا إنَّما يكفي الفتى بعد بُرْهَةٍ ... من الأَمَدِ الباقي ثِقافُ المُقَوِّمِ
وقد لَبِسَتْ لُبْسَ الملوك بِبابِها ... وأبدَتْ لك الدُّنيا (¬2) بكفٍّ ومِعْصَمِ
وتُومِضُ أحيانًا بعينٍ مريضةٍ ... وتَبْسِمُ عن مثلِ الجُمانِ المُنَظَّمِ
فأعرضْتَ عنها مشمئزًّا كأنَّما ... سقَتْكَ مَدُوفًا (¬3) من سِمامٍ وعلقمِ
فما زِلْتَ سَبَّاقًا (¬4) إلى كلِّ غايةٍ ... صعدت بها أعلى البناء بسلَّمِ (¬5)
تركتَ الَّذي يفنى وإنْ كان مُونِقًا ... وآثرتَ ما يبقى برأيٍ مصمِّمِ
فما بينَ شرقِ الأرضِ والغربِ كلِّها ... منادٍ ينادي من فصيحٍ وأعجمِ
يقولُ أميرَ المؤمنين ظلمتَني ... بأخذٍ لدينارٍ ولا أخْذِ درهمِ
فلو يستطيع المسلمون لقسَّموا (¬6) ... لك الشطر من أعمارهم غير نُدَّمِ
فعشتَ لنا ما حجَّ للهِ راكبٌ ... مُغِذٌّ مُطيفٌ بالمقام وزَمْزَمِ
فأرْبِحْ بها من صفقةٍ لمبايعٍ ... وأعْظِمْ بها أعْظِم بها ثم أعْظِمِ
ثم قال: مَنْ بالباب؟ فقال: الأحوص. فأَذِنَ له، فدخل فقال (¬7):
¬__________
(¬1) في (ب): العائدة.
(¬2) في "ديوان" كُثيِّر ص 344: وقد لبست لبس الهَلُوك ثيابها تراءى لك الدنيا ... وينظر "الأغاني" 9/ 258.
(¬3) أي: مخلوطًا.
(¬4) في "الديوان" ص 345: توَّاقًا.
(¬5) في "الديوان": بلغتَ بها أعلى البناء المقدَّم.
(¬6) في "الأغاني" 9/ 259، و"الديوان" ص 346: تقسَّموا. وينظر "العقد الفريد" 2/ 89.
(¬7) سلف أن عمر - رضي الله عنه - لم يأذن للأحوص بالدخول عليه. ووقع هذا التناقض بسبب جمع روايتين للخبر كما سلف الكلام عليه.

الصفحة 282