كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 10)

وقال سابق البربري: وفد يزيد بن أبان الرَّقاشي على عمر فقال له عمر: عِظْني. فقال: ليس بين الجنِّة والنار منزل. قال الله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 13 - 14] فبكى عمر حتَّى سقط (¬1).
ويزيد الرَّقاشي من الطبقة الثالثة من التابعين، من أهل البصرة، كان قد صام ستين سنة، حتَّى ذبل جسمُه، وتغيَّر لونُه، وكان يبكي طول الليل ويقول: يا إخوتاه، تعالوْا نبكي أيام الدنيا، وكان قد عطَّشَ نفسه ستين سنة، وكان لا يفطر إلا خمسة أيام (¬2)، ويقول: سبقني العابدون، وقُطع بي.
وكان يتقلَّبُ على الرَّمل في اليوم الحارّ ويقول: يا يزيد من يصوم عنك بعد الموت؟ من يصلِّي عنك؟ من يسترضي ربَّك لك؟ ثم بكى حتَّى سقطت أشفارُ عينيه.
وكان يقول: إلهي إن كنتَ أذنتَ لأحدٍ من المحبِّين أن يصلِّيَ ويصوم في قبره، فأْذَنْ لي.
وقال ثابت البُناني: ما رأيتُ أحدًا أصبرَ على طول القيام والسهر من يزيد، وكان يقول في قصصه: يا معاشر مَن القبرُ بيتُه، والموتُ موعدُه، ألا تبكون؟ !
وقيل له: أما تسأم من البكاء؟ ! فقال: وَدِدْتُ أن أبكيَ بعد الدموع دمًا، ثم الصديد، يا إخوتي، إن لم تبكُوا؛ فارحموا الباكي.
وكان ينشد:
إنَّا لَنَفْرَحُ بالأيام نقطعُها ... وكلُّ يومٍ مضى يُدني من الأَجَلِ (¬3)
حدَّث عن أنس، والحسن البصريّ.
¬__________
(¬1) بنحوه أطول منه في "الزهد الكبير" للبيهقي (551)، و"تاريخ دمشق" 18/ 223 (مصورة دار البشير).
(¬2) يعني يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق الثلاثة. وقد روى هو الحديث فيه عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أخرجه أبو يعلى في "المسند" (4117). ووقع في (ب) و (خ) و (د) (والكلام منها): إلا بعد خسة أيام، وهو خطأ. وينظر "حلية الأولياء" 3/ 50، و"تاريخ دمشق" 18/ 228 (مصورة دار البشير- ترجمة يزيد الرقاشي).
(¬3) ينظر "تاريخ دمشق" 18/ 227 - 232 (مصورة دار البشير)، و"صفة الصفوة" 3/ 289 - 290، و"تهذيب الكمال" 32/ 70 - 74. ولعل أبا العتاهية أخذ البيت، فقد نسب الراغب الأصفهاني في "محاضرات الأدباء" 4/ 49 له: نظلُّ نفرح بالأيام نقطعها ... إلخ، وأورده محقق "الديوان" في "تكملته "ص 218 عن الراغب.

الصفحة 288