كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 10)

واستحفظَه في ماله وعيالهِ فبدَّد المال، وشَرَّدَ العِيال، وأفقر أهلَه، وضَيَّع ماله، واعلم أنَّ الله أنزلَ الحدود ليزجر بها عن الفواحش، فكيف إذا أتاها مَنْ وَليَها؟ ! واللهُ أنزلَ القَصاصَ حياةً لعباده، فكيفَ إذا قتلهم من يقتصُّ لهم؟ !
واعلم أن لك منزلًا غير منزلك الَّذي أنت فيه يطولُ فيه ثواؤُك، ويُفارقُك أحبَّاؤك، ويُسلمونك في قعره فردًا وحيدًا، تُقيم فيه إلى أن يُنفَخَ في الصُّور، ويُبعثرَ ما في القبور، ويُتحصَّلَ ما في الصدور، ثم تقوم إلى كتاب لا يغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها (¬1)
{يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} [عبس: 34 - 36] وأنت الآن في المَهَل، فلا تحكم قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل في عباد الله بحكم الجاهلين (¬2)، ولا تسلك سبيل الظالمين المتكبِّرين المتجبِّرين، فتبوءَ بأوزارهم مع أوزارك، وتحملَ أثقالًا مع أثقالك، ولا يغرَّنَّك الذين يتنعَّمون بما فيه بُؤْسُك، ويأكلون الطيباتِ في دنياهم بإذهاب طيِّباتِك في آخرتك، ولا تنظر على قدرك (¬3) اليوم، وانظر إليه غدًا وأنت مأسورٌ في حبائل الجبروت (¬4)، واقفٌ بين يدي الله تعالى في مجمع الخلائق، {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} [طه: 111].
فاجعل كتابي هذا منك بمنزلة الطبيب الَّذي يشفي المريض بالأدوية الكريهة لما يرجو (¬5) له من العافية الشافية، فإني لم آلُ نُصحًا، ولا ادَّخَرْتُ وُسْعًا، والسلام.
كتاب آخر منه:
قال رجاء بن حَيْوة: كتبَ الحسنُ إلى عُمر: أما بعد، فإنَّ الدنيا دارُ ظَعْن، وليست بدارِ إقامة، وإنما أُخرجَ إليها آدمُ عقوبةً له، ولها في كل حين صَرْعَة (¬6)، تُهين مَنْ
¬__________
(¬1) قوله: لا يغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها؛ مقتبس من الآية (49) من سورة الكهف.
(¬2) عبارة "العقد الفريد" 1/ 35: وأنت في مَهَل قبل حُلول الأجل وانقطاع الأَمَل. لا تحكم يا أمير المؤمنين في عباد الله بحكم الجاهلين ...
(¬3) في "العقد الفريد": قدرتك.
(¬4) في "العقد الفريد": الموت.
(¬5) لعلها صواب العبارة: يسقي المريض الأدوية الكريهة لما يرجو له ... وهي بنحوها في "العقد الفريد" 1/ 36.
(¬6) في "حلية الأولياء" 6/ 313: قتيل، بدل: صَرْعَة.

الصفحة 290