كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 10)
بكثير، وفانيًا بباق، وخوفًا بأمن، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيخلفُها بعدكم الباقون كذلك حتَّى تُرَدُّون إلى خير الوارثين؟ ! ألا ترون أنكم في كلِّ يوم وليلة تُشيِّعُون غاديًا ورائحًا إلى الله، قد قضى نحبَه، وانقضى أجلُه، حتَّى تغيِّبُوه في صَدْع من الأرض، ثم تَدَعُونه غيرَ ممَهَّد ولا مُوَسَّد؟ ! قد خلعَ الأسباب، وفارقَ الأحباب، وسكنَ التراب، وواجهَ الحساب، مرتهنًا بعمله، فقيرًا إلى ما قدَّم، غنيًّا عمَّا ترك، فاتقوا الله قبل نزول الموتِ، وايمُ الله، إني لأقول لكم هذه المقالة؛ وما أعلمُ عند أحدكم من الذنوب ما عندي. ثم وضع طرف ردائه على وجهه وبكى، وأبكى الناس، فكانت آخِرَ خطبةٍ خطبَها (¬1).
وقال أبو سريع الشامي: آخرُ خُطبة خطبها عُمر - رضي الله عنه - قال: أيُّها الناس، إنَّ لكم مَعَادًا يتجلَّى الله فيه للفصل بين العباد، وإنَّ الَّذي في أيديكم أسلابُ الهالكين، وسيخلفُها بعدكم الباقون؛ حتَّى تردَّ إلى خير الوارثين، وما يبلغني عن أحد منكم حاجة إلا أحببتُ أن أسُدَّ من حاجته، وما يبلغني أن أحدًا منكم لا يسعُه ما عندي إلا وددتُ أنَّه يمكنني تغييره.
ثم انتحبَ، وارتجَّ المسجدُ بالبكاء، ثم نزل، فما رئي خارجًا إلا إلى حفرته.
وقيل: إنه لما حملَ الناسَ على المحجَّة البيضاء، وصَدَع بأوامر الله تعالى، ولم تأخُذْه في الله لومةُ لائم، اشتاق إلى ما أعدَّ اللهُ لأوليائه، فطارت نفسُه إلى ذلك احتقارًا للدنيا.
فذكر ابنُ أبي الدنيا وابنُ عبد البَرِّ أنَّ عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - أرسل إلى عبد الله بن أبي زكريا وكان مجابَ الدعوة، فلمَّا دخل عليه قال له: يا ابنَ أبي زكريا، هل تدري لِمَ بعثتُ إليك؟ قال: لا. قال: لأمر لست ذاكرَه لك حتَّى تحلفَ في. فقال: يا أمير المؤمنين، واللهِ لا تسألُني شيئًا إلا فعلتُه. فلما استوثق منه، قال: إني قد سئمتُ المُقَام في هذه الدار، فادع الله أن يقبضني إليه. فبكى ابن أبي زكريا وقال: بئس الوافد أنا
¬__________
(¬1) ينظر: تاريخ الطبري 6/ 570 - 571، والأغاني 9/ 266 - 267، وحلية الأولياء 5/ 295، وتاريخ دمشق 41/ 350 - 351 (ترجمة عبد الرحمن بن محمد القاري) و 54/ 141 - 142 (ترجمة عمر بن عبد العزيز) (كلاهما طبعة مجمع دمشق)، وصفة الصفوة 2/ 123. ورواية الخبر منه.