كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 10)

ولما ثقل عمر - رضي الله عنه - قال: أجلسوني. فأجلسوه، فقال: اللهمَّ [إنك] أمرتَني فقصَّرتُ، ونهيتَني فعصَيتُ، ولكن لا إله إلا الله. ثم رفع رأسه وأحدَّ النظر، فقالوا له: إنك لتنظرُ نظرًا شديدًا. فقال: إني لأرى حَضْرةً ما هم بإنسٍ ولا جنّ. ثم قبض (¬1).
وقال - رضي الله عنه -: ما أُحبُّ أن يُخَفَّفَ عني الموتُ، أو يهوَّن عليَّ، فإنه آخرُ ما يُؤجرُ عليه الإنسان.
ولما احتُضر قال: اخرجوا عني لا يبقى عندي أحد. فخرجوا (¬2).
وقال محمد بن قيس: حضرتُ أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أوَّلَ مرضِه، اشتكى لهلال رجب سنة إحدى ومئة، فكان شكواه عشرين يومًا، فأرسل إلى ذِمّيّ ونحن بدَيْر سَمْعان، فساومَه بموضع قبره، فقال الذِّمِّيّ: يا أمير المؤمنين، إنها لخير أن يكون قبرُك في أرضي، قد حلَّلْتُك. فأبى عمر حتَّى ابتاعه منه بدينارين، ثم دعا بالدينارين، فدفعهما إليه (¬3).
وقال إبراهيم بن ميسرة: اشترى موضع قبره بعشرة دنانير (¬4).
وقال هشام: قال عمر للرهبان: انتفعوا بمكان قبري بعد خمس سنين. وقال له الراهب: أعطني قميصك. فيقال: إنه أسلم.
وكانت فاطمة بنت عبد الملك وأخوها مسلمة عند عمر - رضي الله عنه -، فقال أحدهما لصاحبه: لا نكون قد ثَقُلْنا عليه، فخرجا وهو منحرفٌ على غير القبلة. قالا: قلَّما لبثنا حتَّى عُدنا، وإذا هو متوجِّهٌ إلى القبلة وإذا متكلِّمٌ يتكلَّم لا نراه يقول: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (¬5) [القصص: 83].
¬__________
(¬1) حلية الأولياء 5/ 335، وتاريخ دمشق 45/ 205. ونُسب الخبر في (ص) لأبي نُعيم.
(¬2) تاريخ دمشق 54/ 206 مطول.
(¬3) طبقات ابن سعد 7/ 392. وأخرج ابن عساكر في "تاريخ دمشق" 54/ 205 رواية محمد بن قيس من طريق ابن أبي الدنيا، وفيها أنَّه ابتاعه منه بثلاثين دينارًا.
(¬4) المصدر السابق، والأغاني 9/ 267.
(¬5) طبقات ابن سعد 7/ 392 - 393. وينظر "تاريخ دمشق" 54/ 206.

الصفحة 301