كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 10)

قال الواقدي: لما احتُضر عمر - رضي الله عنه - عنه كتب إلى يزيد بن عبد الملك: أما بعد، فإياك أن تدركك الصَّرْعة عند العزَّة، فلا تُقال العَثْرة، ولا تُمكَّنَ من الرَّجْعة، ولا يحمدَك مَنْ خلَّفْتَ، ولا يَعْذِرَك من تَقْدَمُ عليه (¬1).
وقال ابن سعد: كتبَ إلى يزيد: سلامٌ عليك، أمَّا بعد، فإني لا أُراني إلا لِما بي (¬2)، ولا أرى الأمر إلا سيُفْضي إليك، فاللهَ اللهَ في أمَّة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وقالت فاطمة بنتُ عبد الملك: كُنْتُ أسمعُ عمر بن عبد العزيز في مرضه الَّذي مات فيه يقول: اللهم أخْفِ عنهم موتي ولو ساعة من نهار. فلما كان اليوم الَّذي قُبض فيه؛ خرجتُ من عنده، فجلست في بيت آخر، وبيني وبينه باب، وهو في قبَّة له، فسمعتُه يقول: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا} ثم هدأ. فجعلتُ لا أسمعُ له حسًّا ولا حركةً، فقلتُ لوصيف كان يخدُمه: انظر أميرَ المؤمنين، أنائم هو؟ فدخل عليه وصاح، فوثبتُ فدخلتُ، فإذا هو ميّتٌ قد استقبلَ القبلة، وأغمضَ نفسَه، ووضع إحدى يديه على فيه، والأخرى على عينيه (¬3). وقال (¬4): شممتُ رائحة النَّدِّ والمسك من القبَّة وهو يقول: مرحبًا بهذه الوجوه التي ليست بوجوه إنس ولا جانّ. ثم قبض (¬5).
وقال الواقدي: أوصى أن يكفَّن في خمسة أثواب، منها قميص وعِمامة، وكان عنده شعرٌ من شعر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأظفارٌ من أظفاره فقال: إذا مِتُّ فاجعلوه في أكفاني. ففعلوا (¬6).
ومات - رضي الله عنه - لعشر ليال بقين من رجب سنة إحدى ومئة. وقيل: لخمسٍ بقين منه. وقيل: في جمادى الآخرة. والأوَّل أصحّ. وعامَّةُ الرُّواة على أنَّ قبرَه بدَير سَمْعان [شمالي حلب] (¬7).
¬__________
(¬1) طبقات ابن سعد 7/ 393.
(¬2) في (خ) (والكلام منها): فاني. والمثبت من المصدر السابق، والخبر فيه.
(¬3) طبقات ابن سعد 7/ 394.
(¬4) كذا في (خ) و (الكلام منها فقط، وهي كثيرة الأخطاء) ولعل الصواب: وقالت. يعني فاطمة، فيكون الكلام عندئذ تتمة للخبر قبله. والله أعلم.
(¬5) من قوله: وقال محمد بن قيس: حضرت أمير المؤمنين. (الصفحة السابقة) ... إلى هذا الموضع ليس في (ص).
(¬6) طبقات ابن سعد 7/ 393 - 394.
(¬7) ينظر "طبقات" ابن سعد 7/ 395، و"تاريخ دمشق" 54/ 214 - 220. وما بين حاصرتين من (ص).

الصفحة 302