كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 10)

وقال أبو سريع: لما فرَغوا من دفن عمر - رضي الله عنه - قام مسلمةُ بنُ عبد الملك على قبره وقال: رحمك الله يَا أمير المُؤْمنين، فلقد أورثتَ صالحًا بك اهتَدَوْا واقتَدَوْا (¬1)، وملأتَ قلوبنا بمواعظك خشيةً وتذكارًا، وأنلْتَ لنا شرفًا، وأبقيتَ لنا في الصالحين ذِكرًا، فعليك السلام حيّا وميّتًا.
وقال مَسْلَمة: واللهِ ما أمِنْتُ الرِّقَّ حتَّى رأيتُ هذا القبر (¬2).
وقال ابنُ عساكر: حَدَّثَنَا عبد الجبار بنُ عبد الصمد الإِمام (¬3) قال: حدثني أبي، حدثني محمَّد بن إسحاق ابن الحريص قال (¬4): حَدَّثَنَا أبو محمَّد [المسيّب بن واضح، حَدَّثَنَا عيسى بن كيسان، عمن حدَّثه] عن عُمير بن الحُباب قال: أُسرتُ أنا وثمانيةُ أنفسٍ في زمن بني أمية، فأمرَ ملكُ الروم بضرب أعناقنا، فضُربت أعناق أصحابي، وشَفع فيَّ بطريق من البطارقة، فوهبَني له، فمضى بي إلى منزله، وكان عُمير جميلًا نبيلًا، فقال له البطريق: تَنَصَّرْ وأُزوِّجُك ابنتي، وأقاسمُك مالي. فقلت: ما أدعُ ديني لأجل امرأة ولا مال.
فأقام أيامًا يعرض عليَّ ذلك، وكانت ابنتُه شابَّة جميلة، فقالت لي يومًا: ما يمنعك ممَّا عرض عليك أبي؟ ! فقلت: لا أَدَعُ ديني لأجل امرأة ولا مال. فقالت: أتحبُّ الذهابَ إلى أهلك، أو المُقامَ عندنا؟ قلتُ: الذهاب إلى أهلي. فأَرَتْني نجمًا في السماء وقالت: سِرْ على هذا ليلًا، واكْمُنْ نهارًا. وأطلقتني.
فسرت ثلاثًا، فبينا أنا في اليوم الرابع، وإذا أنا بالخيل قد أدركَتْني، فاستسلمتُ، فأشرفوا عليَّ، وإذا بأصحابي المقتلين (¬5) على خيل شُهْب ومعهم آخرون على خيل
¬__________
(¬1) في "الأغاني" 9/ 265. (والكلام فيه بنحوه): أورثتَ صالحينا بك اقتداءً وهدًى.
(¬2) العقد الفريد 4/ 437. وفيه قبله قول عمر لبعض بني أمية: إنِّي أرى رقابًا ستردُّ إلى أربابها.
(¬3) هذا الكلام على التجوَّز إن لم يكن ثمة سقط، فإن بين عبد الجبَّار هذا وابن عساكر في هذا الخبر ثلاثة رواة. ينظر "تاريخ دمشق" 56/ 129 (طبعة مجمع دمشق).
(¬4) من قوله: وقال أبو سريع: لما فرغوا ... إلى هذا الموضع، ليس في (ص).
(¬5) كذا هي اللفظة في تاريخ دمشق 56/ 129 (طبعة مجمع دمشق- ترجمة عُمير بن الحباب) والخبر منه، وفي نسخة (كما في حواشيه): المقتولين. وما سلف بين حاصرتين منه.

الصفحة 306