كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 10)

وقال جرير:
يَنْعَى النُّعاةُ أميرَ المُؤْمنين لنا ... يَا خيرَ من حجَّ بيتَ اللهِ واعْتَمَرَا
وُلّيتَ أمرًا عظيمًا فاصطبرتَ له ... فقُمتَ فيه بحمدِ اللهِ يَا عُمَرَا (¬1)
الشَّمسُ كاسفةٌ ليست بطالعةٍ (¬2) ... تبكي عليك نجومَ الليلِ والقَمَرا (¬3)
وقال المصنف رحمه الله: ومن أحسن ما سمعتُ في هذا الباب قولُ أبي عبد الله بن سنان الخَفَاجي الشَّاعر من أبيات:
إنَّ في جانب المقطَّم مهجو ... رًا ومن أجله تُزار القبورُ
ومقيمًا على المعرَّة تطويـ ... ـه الليالي وذِكْرُهُ منشورُ
وقال وُهيب بن الورد: بلغَنا أن عُمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لمَّا توفّي جاء الفقهاء إلى زوجته يعزُّونها، فقالوا لها: جئناك نعزّيكِ بعمر، فقد عمَّت مصيبةُ الأمة، فأخبرينا يرحمكِ الله عن عمر كيف كانت حالُه في بيته، فإن أعلم النَّاسِ بالرجل أهلُه. فقالت: واللهِ ما كان عمرُ بأكثرِكم صلاةً ولا صيامًا، ولكن واللهِ ما رأيتُ عبدًا قطُّ كان أشدَّ خوفًا منه لله، واللهِ إنْ كان ليكونُ في المكان الذي ينتهي سرورُ الرجلِ بأهله، [بيني وبينه لِحاف] فيخطرُ على قلبه الشيء من أمر الله، فينتفضُ كما ينتفض الطائر إذا وقع في الماء، ثم ينشج ويرتفع بكاؤه حتَّى أقول: خرجت نفسُه، فأطرحُ اللِّحاف عني وعنه رحمةً له، وأقولُ: يَا ليت بيننا وبين هذه الإمارة بُعْدَ المشرقَين، فواللهِ ما رأينا سرورًا منذ دخَلْنا فيها (¬4).
وقال عطاء: بكت فاطمة بنتُ عبد الملك زوجةُ عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - بعد وفاته حتَّى عَشِيَ بصرُها، فدخل عليها أخواها مسلمة وهشام، فقالا: يا بنت عبد الملك، ما هذا الأمر الذي قد دُمْتِ عليه؟ فإن كان جزعًا على بعلك؛ فإنَّه واللهِ أحقُّ من جُزع
¬__________
(¬1) قال محمَّد بن حبيب في "شرح ديوان جرير" 2/ 736: أراد: يَا عمراه. على النُّدبة.
(¬2) انقلبت العبارة في (خ) (والكلام منها) فجاء فيها: الشَّمس طالعة ليست بكاسفة! والتصويب من "الديوان".
(¬3) ذكر ابنُ حبيب في "شرحه" عن الكسائي أنَّه أراد أن الشَّمس كاسفةٌ تبكي عليك الشهرَ والدهرَ. وذكر ابن عساكر الأبيات في "تاريخ دمشق" 54/ 212.
(¬4) طبقات ابن سعد 7/ 396، وما سلف بين حاصرتين منه. وأخرجه من طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" 54/ 191 - 192.

الصفحة 309