كتاب الكامل في التاريخ (اسم الجزء: 10)

[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَة]
613 -
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ
ذِكْرُ وَفَاةِ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ صَاحِبِ حَلَبَ
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، تُوُفِّيَ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ غَازِي بْنُ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ بْنِ أَيُّوبَ، وَهُوَ صَاحِبُ مَدِينَةِ حَلَبَ وَمَنْبِجَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ بِلَادِ الشَّامِ، وَكَانَ مَرَضُهُ إِسْهَالًا، وَكَانَ شَدِيدَ السِّيرَةِ، ضَابِطًا لِأُمُورِهِ كُلِّهَا، كَثِيرَ الْجَمْعِ لِلْأَمْوَالِ مِنْ غَيْرِ جِهَاتِهَا الْمُعْتَادَةِ، عَظِيمَ الْعُقُوبَةِ عَلَى الذَّنْبِ لَا يَرَى الصَّفْحَ، وَلَهُ مَقَصَدٌ يَقْصِدُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ مِنْ أَطْرَافِ الْبِلَادِ، وَالشُّعَرَاءِ وَأَهْلِ الدِّينِ وَغَيْرِهِمْ، فَيُكْرِمُهُمْ، وَيُجْرِي عَلَيْهِمُ الْجَارِي الْحَسَنَ.
وَلَمَّا اشْتَدَّتْ عِلَّتُهُ عَهِدَ بِالْمُلْكِ بَعْدَهُ لِوَلَدٍ لَهُ صَغِيرٍ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، وَلَقَبُهُ الْمَلِكُ الْعَزِيزُ غِيَاثُ الدِّينِ، عُمُرُهُ ثَلَاثُ سِنِينَ، وَعَدَلَ عَنْ وَلَدٍ كَبِيرٍ ; لِأَنَّ الصَّغِيرَ كَانَتْ أُمُّهُ ابْنَةَ عَمِّهِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ، صَاحِبِ مِصْرَ وَدِمَشْقَ وَغَيْرِهِمَا مِنِ الْبِلَادِ، فَعَهِدَ بِالْمُلْكِ لَهُ لِيُبْقِيَ عَمُّهُ الْبِلَادَ عَلَيْهِ، وَلَا يُنَازِعَهُ فِيهَا.
وَمِنْ أَعْجَبِ مَا يُحْكَى أَنَّ الْمَلِكَ الظَّاهِرَ، قَبْلَ مَرَضِهِ، أَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى عَمِّهِ الْعَادِلِ بِمِصْرَ، يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَحْلِفَ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ، فَقَالَ الْعَادِلُ: سُبْحَانَ اللَّهُ! أَيُّ حَاجَةٍ إِلَى هَذِهِ الْيَمِينِ؟ الْمَلِكُ الظَّاهِرُ مِثْلَ بَعْضِ أَوْلَادِي. فَقَالَ الرَّسُولُ: قَدْ طَلَبَ هَذَا وَاخْتَارَهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ إِجَابَتِهِ إِلَيْهِ. فَقَالَ الْعَادِلُ: كَمْ مِنْ كَبْشٍ فِي الْمَرْعَى وَخَرُوفٌ عِنْدَ الْقَصَّابِ، وَحَلِفَ.

الصفحة 296

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text