كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 10)

جابرٍ، قال: كان رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلِّي على راحِلتِهِ نحوَ المَشْرِقِ، فإذا أرادَ أن يُصلِّي المَكْتُوبةَ، نزلَ فاسْتَقبلَ القِبلةَ.
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحِدِ، قال: حدَّثنا أبو صالح محبُوبُ بن مُوسى الفرّاءُ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، عن سُفيانَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: بَعَثني رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لحاجةٍ فجِئتُ وهُو يُصلّي على راحِلتِهِ نحوَ المشرِقِ، يُومِئُ إيماءً، السُّجُودُ أخفضُ من الرُّكُوع. قال: فسلَّمتُ، فلم يرُدَّ عليَّ، فلمّا سلَّمَ، قال: "ما مَنَعني أن أرُدَّ عليكَ، إلّا أنِّي كنتُ أُصلِّي" (¬١).
واختلَفَ الفُقهاءُ في المُسافِرِ سفرًا لا تُقصرُ في مِثلِهِ الصَّلاةُ: هل لهُ أن يتنفَّلَ على راحِلتِهِ ودابَّتِهِ، أم لا (¬٢)؟
فقال مالكٌ وأصحابُهُ، والثَّوريُّ: لا يتطوَّعُ على الرّاحِلةِ إلّا في سفرٍ تُقصَرُ في مِثلِهِ الصَّلاةُ.
وحُجَّتُهُم في ذلك، أنَّ الأسفارَ التي حُكِيَ عن رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّهُ كان يتطوَّعُ فيها على راحِلتِهِ، كانت مِمّا تُقصَرُ فيها الصلاةُ، فالواجِبُ أن لا يُصَلَّى إلى غيرِ القِبْلةِ، إلّا في الحالِ التي وردَتْ بها السُّنّةُ، لا تتعدَّى.
---------------
(¬١) أخرجه أحمد في مسنده ٢٢/ ٤٢٠ (١٤٥٥٥)، وأبو داود (١٢٢٧)، والترمذي (٣٥١)، وأبو عوانة (١٧٢٢)، والبيهقي في الكبرى ٢/ ٥، من طريق سفيان الثوري، به. وأخرجه أحمد أيضًا ٢٢/ ٢٤٧، و ٢٣/ ١١، ١٠٠ (١٤٣٤٥، ١٤٦٤٢، ١٤٧٨٨)، ومسلم (٥٤٠) (٣٦، ٣٧، ٣٨)، وأبو داود (٩٢٦)، والنسائي في المجتبى ٣/ ٦، وفي الكبرى ٢/ ٣٤ (١١١٤)، وابن خزيمة (٨٨٩، ١٢٧٠)، وأبو يعلى (٢٢٣٠)، وأبو عوانة (١٧٢٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٥٦، وابن حبان ٦/ ٢٦٣ (٢٥١٨، ٢٥١٩)، والدارقطني في سننه ٢/ ٢٤٩ (١٤٧٩)، والبيهقي في الكبرى ٢/ ٢٥٨، من طرق عن أبي الزبير، به. وانظر: المسند الجامع ٣/ ٤٤٦ - ٤٤٧ (٢٢٣٠).
(¬٢) انظر: الأم للشافعي ١/ ١١٨، والمدونة لسحنون ١/ ١٧٤، ومختصر اختلاف العلماء ١/ ٣١٥. وانظر فيها ما بعده.

الصفحة 446