كتاب فتح الباري لابن حجر (اسم الجزء: 10)
مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ وَأَشَارَ إِلَى الْخِنْصَرِ الْيُسْرَى وَأَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ وَلِأَبِي الشَّيْخِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظٍ كَانَ يَلْبَسُ خَاتَمَهُ فِي يَسَارِهِ وَفِي سَنَدِهِ لين وَأخرجه بن سَعْدٍ أَيْضًا وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ يَتَخَتَّمُونَ فِي الْيَسَارِ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مَوْقُوفا على الْحسن وَالْحُسَيْن حسب وَأَمَّا دَعْوَى الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى التَّخَتُّمِ فِي الْيَسَارِ فَكَأَنَّهُ تَوَهَّمَهُ مِنِ اسْتِحْبَابِ مَالِكٍ لِلتَّخَتُّمِ وَهُوَ يُرَجِّحُ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَظَنَّ أَنَّهُ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ جَاءَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَجَمْعٍ جَمٍّ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمُ التَّخَتُّمُ فِي الْيُمْنَى وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَدَبِ يُجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ الَّذِي لَبِسَهُ فِي يَمِينِهِ هُوَ خَاتَمُ الذَّهَبِ كَمَا صرح بِهِ فِي حَدِيث بن عُمَرَ وَالَّذِي لَبِسَهُ فِي يَسَارِهِ هُوَ خَاتَمُ الْفِضَّةِ وَأَمَّا رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ الَّتِي فِيهَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ كَانَ فِضَّةً وَلَبِسَهُ فِي يَمِينِهِ فَكَأَنَّهَا خَطَأٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الزُّهْرِيَّ وَقَعَ لَهُ وَهَمٌ فِي الْخَاتَمِ الَّذِي طَرَحَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ الَّذِي كَانَ مِنْ فِضَّةٍ وَأَنَّ الَّذِي فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ أَنَّهُ الَّذِي كَانَ مِنْ ذَهَبٍ فَعَلَى هَذَا فَالَّذِي كَانَ لَبِسَهُ فِي يَمِينِهِ هُوَ الذَّهَبُ اه مُلَخَّصًا وَجَمَعَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَبِسَ الْخَاتَمَ أَوَّلًا فِي يَمِينِهِ ثُمَّ حَوَّلَهُ إِلَى يَسَارِهِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا أخرجه أَبُو الشَّيْخ وبن عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ عَن نَافِع عَن بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَخَتَّمَ فِي يَمِينِهِ ثُمَّ إِنَّهُ حَوَّلَهُ فِي يَسَارِهِ فَلَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ قَاطِعًا لِلنِّزَاعِ وَلَكِن سَنَده ضَعِيف وَأخرج بن سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ طَرَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمَهُ الذَّهَبَ ثُمَّ تَخَتَّمَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ فَجَعَلَهُ فِي يَسَارِهِ وَهَذَا مُرْسَلٌ أَوْ مُعْضَلٌ وَقَدْ جَمَعَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِذَلِكَ وَأَنَّهُ تَخَتَّمَ أَوَّلًا فِي يَمِينِهِ ثُمَّ تَخَتَّمَ فِي يَسَارِهِ وَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ الْأَمريْنِ وَقَالَ بن أَبِي حَاتِمٍ سَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ عَنِ اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ لَا يَثْبُتُ هَذَا وَلَا هَذَا وَلَكِنْ فِي يَمِينِهِ أَكْثَرُ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ إِنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أَصَحُّ شَيْءٍ وَرَدَ فِيهِ وَصُرِّحَ فِيهِ بِالتَّخَتُّمِ فِي الْيَمِينِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اخْتِلَافٌ وَالْأَصَحُّ الْيَمِينُ قُلْتُ وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْقَصْدِ فَإِنْ كَانَ اللُّبْسُ لِلتَّزَيُّنِ بِهِ فَالْيَمِينُ أَفْضَلُ وَإِنْ كَانَ لِلتَّخَتُّمِ بِهِ فَالْيَسَارُ أَوْلَى لِأَنَّهُ كَالْمُودَعِ فِيهَا وَيَحْصُلُ تَنَاوُلُهُ مِنْهَا بِالْيَمِينِ وَكَذَا وَضْعُهُ فِيهَا ويترجح التَّخَتُّم فِي فِي الْيَمِينِ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْيَسَارَ آلَةُ الِاسْتِنْجَاءِ فَيُصَانُ الْخَاتَمُ إِذَا كَانَ فِي الْيَمِينِ عَنْ أَنْ تُصِيبَهُ النَّجَاسَةُ وَيَتَرَجَّحُ التَّخَتُّمُ فِي الْيَسَارِ بِمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ مِنَ التَّنَاوُلِ وَجَنَحَتْ طَائِفَةٌ إِلَى اسْتِوَاءِ الْأَمْرَيْنِ وَجَمَعُوا بِذَلِكَ بَيْنَ مُخْتَلَفِ الْأَحَادِيثِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ أَبُو دَاوُدَ حَيْثُ تَرْجَمَ بَابَ التَّخَتُّمِ فِي الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ ثُمَّ أَوْرَدَ الْأَحَادِيثَ مَعَ اخْتِلَافِهَا فِي ذَلِكَ بِغَيْرِ تَرْجِيحٍ وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْجَوَازِ ثُمَّ قَالَ وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ يَعْنِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ وَقَالَ الْبَغَوِيُّ كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ التَّخَتُّمَ فِي الْيَسَارِ وَتَعَقَّبَهُ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ ظَاهِرَهُ النَّسْخُ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادَهُ بَلِ الْإِخْبَارُ بِالْوَاقِعِ اتِّفَاقًا وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْحِكْمَة فِيهِ مَا تقدم وَالله أعلم
الصفحة 327