كتاب التفسير الوسيط لطنطاوي (اسم الجزء: 10)

وقوله- سبحانه-: وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ «1» .
والمراد بها هنا: أعلى منازل الجنة أو الجنة نفسها أو جنسها الصادق بغرف كثيرة.
أى: أولئك المتقون المتصفون. بالصفات السابقة، يجازيهم الله- تعالى- بأعلى المنازل والدرجات في الجنة، بسبب صبرهم على طاعته، وبعدهم عن معصيته ويلقون في تلك المنازل الرفيعة تَحِيَّةً وَسَلاماً عن ربهم- عز وجل- ومن ملائكته الكرام، ومن بعضهم لبعض.
خالِدِينَ فِيها أى: في تلك المنازل الرفيعة، والجنات العالية، خلودا أبديا.
حَسُنَتْ تلك الغرفة والمنزلة مُسْتَقَرًّا يستقرون فيه وَمُقاماً يقيمون فيه وذلك في مقابل ما أعد للكافرين من نار ساءت مستقرا ومقاما.
ثم ختم- سبحانه- السورة الكريمة بقوله:

[سورة الفرقان (25) : آية 77]
قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (77)
قال القرطبي: يقال: ما عبأت بفلان، أى: ما باليت به. أى: ما كان له عندي وزن ولا قدر. وأصل يعبأ: من العبء وهو الثقل.. فالعبء: الحمل الثقيل، والجمع أعباء.
و «ما» استفهامية، وليس يبعد أن تكون نافية، لأنك إذا حكمت بأنها استفهام فهو نفى خرج مخرج الاستفهام، وحقيقة القول عندي أن موضع «ما» نصب والتقدير أى عبء يعبأ بكم ربي؟ أى: أى مبالاة يبالى بكم ربي لولا دعاؤكم.. «2» .
هذا، وللعلماء في تفسير هذه الآية أقوال منها: أن قوله- تعالى-: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ خطاب للمؤمنين أو للناس جميعا، وأن المصدر وهو. دعاؤكم مضاف لفاعله، وأن بقية الآية وهي قوله: فَقَدْ كَذَّبْتُمْ.. خطاب للكافرين، والمعنى على هذا القول:
__________
(1) سورة سبأ آية 37.
(2) تفسير القرطبي ج 13 ص 84.

الصفحة 223