كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (اسم الجزء: 10)

§مُغِيثٌ الْأَسْوَدُ وَمِنْهُمْ مُغِيثٌ الْأَسْوَدُ آثَرَ الْأَدْوَمَ وَالْأَجْوَدَ وَحُبِّبَ إِلَيْهِ الْأَحْمَدُ وَالْأَعْوَدُ
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمُؤَذِّنُ , ثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبَانَ , ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ الْحَكَمِ الرَّقِّيُّ , ثنا فَيَّاضُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: قَالَ لِي مُغِيثٌ الْأَسْوَدُ وَكَانَ مِنْ خِيَارِ مَوَالِي بَنِي أُمَيَّةَ قَالَ: " §قَالَ لِي رَاهِبٌ بِدَيْرِ الْخَلْقِ: مَا لِي أَرَاكَ طَوِيلَ الْحُزْنِ؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: طَالَتْ غَيْبَتِي وَبُعْدَتْ شُقَّتِي وَشَقَّ عَلَيَّ السَّفَرُ جِدًّا فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ مِنْ عُمَّالِ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ , قُلْتُ: وَمَا أَنْكَرْتَ؟ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّ حُزْنَكَ لِنَفْسِكَ فَإِذَا أَنْتَ إِنَّمَا تَحْزَنُ لِغَيْرِكَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْمُرِيدَ حُزْنُهُ عَلَيْهِ جَدِيدٌ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ , سَاعَاتُ فَرَحِهِ عِنْدَ سَاعَاتِ خَلَلِهِ هُوَ الدَّهْرَ بَاكٍ مَحْزُونٌ لَيْسَ لَهُ عَلَى الْأَرْضِ قَرَارٌ إِنَّمَا تَرَاهُ وَالِهًا يَفِرُّ بِدِينِهِ مَشْغُولًا طَوِيلَ الْهَمِّ قَدْ عَلَا بَثُّهُ , هِمَّتُهُ الْآخِرَةُ وَالْوَصْلَةُ إِلَيْهَا بِسَبِيلِ النَّجَاةِ مِنْ شَرِّهَا , ثُمَّ قَالَ: هَاهْ وَأَسْبَلَ دُمُوعَهُ فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ "
§الْقَلَانِسِيُّ وَمِنْهُمُ الْمُؤَانِسِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقَلَانِسِيُّ كَانَ بِالْعَهْدِ وَافِيًا فَكَانَ الْحَقُّ لَهُ فِي الْمَعَاطِبِ نَاجِيًا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ بَكْرٍ , أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْقَلَانِسِيَّ , رَكِبَ الْبَحْرَ فِي بَعْضِ سِيَاحَتِهِ فَعَصَفَتْ بِهِ الرِّيحُ فِي مَرْكَبِهِمْ فَدَعَا أَهْلُ الْمَرْكَبِ وَتَضَرَّعُوا وَنَذِرُوا النُّذُورَ , وَقَالُوا: أَيْ عَبْدَ اللَّهِ , كُلُّنَا قَدْ عَاهَدْنَا اللَّهَ وَنَذَرْنَا نَذْرًا إِنْ نَجَّانَا اللَّهُ فَانْذُرْ أَنْتَ نَذْرًا وَعَاهِدِ اللَّهَ عَهْدًا , فَقُلْتُ: أَنَا مُتَجَرِّدٌ مِنَ -[161]- الدُّنْيَا مَالِي وَالنَّذْرَ , فَأَلَحُّوا عَلَيَّ فَقُلْتُ: " §لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ إِنْ يُخَلِّصْنِي اللَّهُ مِمَّا أَنا فِيهِ , لَا آكُلُ لَحْمَ الْفِيلِ فَقَالُوا: إِيشْ هَذَا النَّذْرُ؟ وَهَلْ يَأْكُلُ لَحْمَ الْفِيلِ أَحَدٌ؟ فَقُلْتُ: كَذَا وَقَعَ فِي سِرِّي وَأَجْرَى اللَّهُ عَلَى لِسَانِي , فَانْكَسَرَتِ السَّفِينَةُ وَوَقَعْتُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِهَا إِلَى السَّاحِلِ فَبَقِينَا أَيَّامًا لَمْ نَذُقْ ذَوَاقًا , فَبَيْنَمَا نَحْنُ قُعُودٌ إِذَا بِوَلَدِ فِيلٍ فَأَخَذُوهُ وَذَبَحُوهُ , فَأَكَلُوا لَحْمَهُ وَعَرَضُوا عَلَيَّ أَكْلَهُ فَقُلْتُ: أَنا نَذَرْتُ وَعَاهَدْتُ اللَّهَ , أَنْ لَا آكُلَ لَحْمَ الْفِيلِ , فَاعْتَلُّوا عَلَيَّ بِأَنِّي مُضْطَرٌّ وَلِي فَسْخُ الْعَهْدِ لِاضْطِرَارِي , فَأَبَيْتُ عَلَيْهِمْ وَثَبَتُّ عَلَى الْعَهْدِ فَأَكَلُوا وَامْتَلَئُوا وَنَامُوا , فَبَيْنَمَا هُمْ نِيَامٌ إِذْ جَاءَتِ الْفِيَلَةُ تَطْلُبُ وَلَدَهَا وَتَتْبَعُ أَثَرَهُ فَلَمْ تَزَلْ تَشَمُّ الرَّائِحَةَ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى عِظَامُ وَلَدِهَا فَشَمِّتْهُ ثُمَّ جَاءَتْ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهَا فَلَمْ تَزَلْ تَشَمُّ وَاحِدًا وَاحِدًا فَكُلَّمَا شَمَّتْ مِنْ وَاحِدٍ رَائِحَةَ اللَّحْمِ دَاسَتْهُ بِرِجْلِهَا أَوْ بِيَدِهَا فَقَتَلَتْهُ حَتَّى قَتَلَتْهُمْ كُلَّهُمْ ثُمَّ أَقْبَلَتْ إِلَيَّ فَلَمْ تَزَلْ تَشَّمُنِي فَلَمْ تَجِدْ مِنِّي رَائِحَةَ اللَّحْمِ فَأَدَارَتْ مُؤَخَّرَهَا وَأَوْمَأَتْ بِخُرْطُومِهَا أَيِ ارْكَبْ فَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَا أَوْمَأَتْ فَرَفَعَتْ ذَنَبَهَا وَرِجْلَهَا فَعَلِمْتُ أَنَّهَا تُرِيدُ مِنِّي رُكُوبَهَا فَرَكِبْتُهَا فَاسْتَوَيْتُ عَلَى شَيْءٍ وَطِيءٍ فَسَارَتْ بِي سَيْرًا عَنِيفًا إِلَى أَنْ جَاءَتْ بِي فِي لَيْلَتِي إِلَى مَوْضِعِ زَرْعٍ وَسَوَادٍ وَأَوْمَأَتْ إِلَيَّ أَنْ أَنْزِلَ فَتَدَلَّتْ بِرِجْلِهَا حَتَّى نَزَلْتُ عَنْهَا فَسَارَتْ سَيْرًا أَشَدَّ مِنْ سَيْرِهَا بِي فَلَمَّا أَصْبَحْتُ رَأَيْتُ زَرْعًا وَسَوَادًا وَنَاسًا , فَحَمَلُونِي إِلَى مَلِكِهِمْ وَسَأَلَنِي تَرْجُمَانُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِالْقَصَّةِ وَمَا جَرَى عَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ لِي: مَا تَدْرِي كَمِ السَّيْرُ الَّذِي سَارَتْ بِكَ اللَّيْلَةَ؟ فَقُلْتُ: لَا , فَقَالَ: مَسِيرَةُ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ , سَارَتْ بِكَ فِي لَيْلَةٍ فَلَبِثْتُ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنْ حُمِلْتُ وَرَجَعْتُ "

الصفحة 160