كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (اسم الجزء: 10)

سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: " §الْبَلْوَى مِنَ اللَّهِ عَلَى جِهَتَيْنِ: فَبَلْوَى رَحْمَةٍ وَبَلْوَى عُقُوبَةٍ، فَبَلْوَى رَحْمَةٍ يُبْعَثُ صَاحِبُهَا عَلَى إِظْهَارِ فَقْرِهِ وَفَاقَتِهِ إِلَى اللَّهِ وَتَرْكِ تَدْبِيرِهِ، وَبَلْوَى عُقُوبَةٍ يُتْرَكُ صَاحِبُهَا عَلَى اخْتِيَارِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَقِيلَ: مَثَلُ الِابْتِلَاءِ مَثَلُ الْمَرَضِ وَالسَّقَمِ يَمْرَضُ الْوَاحِدُ مِائَةَ سَنَةٍ فَلَا يَمُوتُ فِيهِ وَيَمْرَضُ آخَرُ سَاعَةً وَاحِدَةً فَيَمُوتُ فِيهِ كَذَلِكَ يَعْصِي اللَّهَ عَبْدٌ مِائَةَ سَنَةٍ فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرٍ وَيَنْجُو، وَآخَرُ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةِ مَعْصِيَةٍ فِي سَاعَةٍ فَيَجُرُّهُ إِلَى الْكُفْرِ فَيَهْلِكَ، فَمِنْ ذَلِكَ عَظُمَ الْخَطَرُ وَدَامَ الْجِدُّ وَاشْتَدَّ الْبَلَاءُ، وَقَالَ: الْغَضَبُ أَشَدُّ فِي الْبَدَنِ مِنَ الْمَرَضِ؛ إِذَا غَضِبَ دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ أَكْثَرَ مِمَّا يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي الْمَرَضِ "
قَالَ: وَسَمِعْتُ سَهْلًا، يَقُولُ: " §قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كُلُّ نِعْمَةٍ مِنِّي عَلَيْكُمْ إِذَا عَرَفْتُمُوهَا صَيَّرْتُهَا لَكُمْ شُكْرًا وَكُلُّ ذَنْبٍ كَانَ مِنْكُمْ إِذَا عَرَفْتُمُوهُ صَيَّرْتُهُ غُفْرَانًا وَقَالَ: لَيْسَ فِي خَزَائِنِ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنَ التَّوْحِيدِ "
وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: " §تُرْبَةُ الْمَعَاصِي الْأَمَلُ وَبِذْرُهَا الْحِرْصُ وَمَاؤُهَا الْجَهْلُ وَصَاحِبَهَا الْإِصْرَارُ وَتُرْبَةُ الطَّاعَةِ الْمَعْرِفَةُ وَبِذْرُهَا الْيَقِينُ وَمَاؤُهَا الْعِلْمُ وَصَاحِبَهَا السَّعِيدُ الْمُفَوِّضُ أُمُورِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ: مَنْ ظَنِّ ظَنَّ السُّوءِ حُرِمَ الْيَقِينَ، وَمَنْ تَكَلَّمَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ حُرِمَ الصِّدْقَ، وَمَنِ اشْتَغَلَ بِالْفُضُولِ حُرِمَ الْوَرَعُ، فَإِذَا حُرِمَ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ هَلَكَ وَهُوَ مَثْبَتٌ فِي دِيوَانِ الْأَعْدَاءِ وَقَالَ: لَا يَطَّلِعْ عَلَى عَثَرَاتِ الْخَلْقِ إِلَّا جَاهِلٌ، وَلَا يَهْتِكُ سِتْرَ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ إِلَّا مَلْعُونٌ وَقَالَ: مَنْ خَدَمَ خُدِمَ، وَمَعْنَاهُ مَنْ تَرَكَ التَّدْبِيرَ وَالِاخْتِيَارَ وُفِّقَ وَمَنْ لَمْ يُوَفَّقْ لَمْ يَتْرُكِ التَّدْبِيرَ فَإِنَّ الْفَرَجَ كُلَّهُ فِي تَدْبِيرِ اللَّهِ لَنَا بِرِضَاهُ، وَالشَّقَاءَ كُلَّهُ فِي تَدْبِيرِنَا وَلَا نَجِدُ السَّلَامَةَ حَتَّى نَكُونَ فِي التَّدْبِيرِ كَأَهْلِ الْقُبُورِ وَقَالَ: لِسَانُ الْإِيمَانِ التَّوْحِيدُ، وَفَصَاحَتُهُ الْعِلْمُ وَصِحَّةُ بَصَرِهِ الْيَقِينُ مَعَ الْعَقْلِ , -[197]- وَقَالَ: النِّيَّةُ اسْمُ الْأَسَامِي، وَالطَّاعَاتُ أَسَامِي، وَالنِّيَّةُ الْإِخْلَاصُ، وَكَمَا يَثْبُتُ حُكْمُ الظَّاهِرِ بِالْفِعْلِ كَذَلِكَ يَثْبُتُ حُكْمُ السِّرِّ بِالنِّيَّةِ، وَمَنْ لَا يَعْرِفُ نِيَّتَهُ لَا يَعْرِفُ دِينَهُ، وَمَنْ ضَيَّعَ نِيَّتَهُ فَهُوَ حَيْرَانُ، وَلَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ عِلْمِ النِّيَّةِ حَتَّى يُدْخِلَهُ اللَّهُ فِي دِيوَانِ أَهْلِ الصِّدْقِ وَيَكُونَ عَالِمًا بِعِلْمِ الْكِتَابِ وَعِلْمِ الْآثَارِ وَعِلْمِ الِاقْتِدَاءِ وَقَالَ: الْمُؤْمِنُ مَنْ رَاقَبَ رَبَّهُ وَحَاسَبَ نَفْسَهُ وَتَزَوَّدَ لِمَعَادِهِ وَقَالَ: الْهِجْرَةُ فَرْضٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: مِنَ الْجَهْلِ إِلَى الْعِلْمِ وَمِنَ النِّسْيَانِ إِلَى الذِّكْرِ وَمِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَمِنَ الْإِصْرَارِ إِلَى التَّوْبَةِ وَقَالَ: مَنِ اشْتَغَلَ بِمَا لَا يَعْنِيهِ نَالَ الْعَدُوُّ مِنْهُ حَاجَتَهُ فِي يَقَظَتِهِ وَمَنَامِهِ وَقَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ دَعْ دُنْيَاكَ عِنْدَ أَعْدَائِكَ وَضَعْ سَرَّكَ عِنْدَ أَحِبَّائِكَ؟ وَقَالَ: لَيْسَ مَنْ عَمِلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ صَارَ حَبِيبَ اللَّهِ وَلَكِنْ مَنِ اجْتَنَبَ مَا نَهَى عَنْهُ اللَّهُ صَارَ حَبِيبَ اللَّهِ، وَلَا يَجْتَنِبُ الْآثَامَ إِلَّا صِدِّيقٌ مُقَرَّبٌ، وَأَمَّا أَعْمَالُ الْبِرِّ يَعْمَلُهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ "

الصفحة 196