كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (اسم الجزء: 10)

سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ خَالِي أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: " كَفَى اللَّهُ الْعِبَادَ دُنْيَاهُمْ فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: {§أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36]، وَاسْتَعْبَدَهُمْ بِالْآخِرَةِ فَقَالَ {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197] "
وَسَمِعْتُ سَهْلًا يَقُولُ: " §أَوَّلُ الْعَيْشِ فِي ثَلَاثٍ: الْيَقِينُ وَالْعَقْلُ وَالرُّوحُ، وَقَالَ: {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} [البقرة: 41] مَوْضِعُ الْعِلْمِ السَّابِقِ وَمَوْضِعُ الْمَكْرِ وَالِاسْتِدْرَاجِ {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة: 40]، مَوْضِعُ الْيَقِينِ وَمَعْرِفَتِهِ وَقَالَ: عَلَى قَدْرِ قُرْبِهِمْ مِنَ التَّقْوَى أَدْرَكُوا الْيَقِينَ وَأَصْلَ الْيَقِينِ مُبَايَنَةَ النُّهَى، وَمُبَايَنَةُ النُّهَى مُبَايَنَةُ النَّفْسِ فَعَلَى قَدْرِ خُرُوجِهِمْ مِنَ النَّفْسِ أَدْرَكُوا الْيَقِينَ وَتَتَفَاضَلُ النَّاسُ فِي الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ يَقِينِهِمْ فَمَنْ كَانَ أَوْزَنَ يَقِينًا كَانَ مَنْ دُونَهُ فِي مِيزَانِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ تَعَبُّدُهُ لِلَّهِ كَأَنَّهُ يَرَاهُ أَوْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَرَاهُ فَهُوَ غَافِلٌ عَنِ اللَّهِ وَعَلَى قَدْرِ مُشَاهَدَتِهِ يَتَعَرَّفُ الِابْتِلَاءَ وَعَلَى قَدْرِ مَعْرِفَتِهِ بِالِابْتِلَاءِ يَطْلُبُ الْعِصْمَةَ وَعَلَى قَدْرِ طَلَبِهِ الْعِصْمَةَ يَظْهَرُ فَقْرُهُ وَفَاقَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وَعَلَى قَدْرِ فَقْرِهِ وَفَاقَتِهِ يَتَعَرَّفُ الضُّرَّ وَالنَّفْعَ وَيَزْدَادُ عِلْمًا وَفَهْمًا وَبَصَرًا "
وَقَالَ سَهْلٌ: " §ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ احْفَظُوهَا مِنِّي وَأَلْزِمُوهَا أَنْفُسَكُمْ: لَا تَشْبَعُوا وَلَا تَمَلُّوا مِنْ عَمَلِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ شَاهِدُكُمْ حَيْثُمَا كُنْتُمْ، وَأَنْزِلُوا حَاجَتَكُمْ بِهِ وَمُوتُوا بِبَابِهِ وَقَالَ: شَيْئَانِ يُذْهِبَانِ خَوْفَ اللَّهِ مِنْ قَلْبِ الْعَبْدِ: أَصْلُ الدَّعْوَى وَالْمَعْصِيَةُ، وَصَاحِبُ الْمَعْصِيَةِ إِذَا خَوَّفْتَهُ وَاحْتَجَجْتَ عَلَيْهِ بِالْأَيْمَانِ يَنْقَادُ وَيَخْضَعُ وَيُقِرَّ بِالْخَوْفِ، وَصَاحِبُ الدَّعْوَى لَا يُقِرُّ بِالْحَقِّ وَلَا يَنْقَادُ لِلْخَوْفِ أَلْبَتَّةَ، وَلَا يُوجَدُ قَلْبٌ أَخْلَى مِنَ الْخَيْرِ وَلَا أَقْصَى وَلَا أَبْعَدَ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ مِنْ قَلْبِ الْمُدَّعِي وَقَالَ: أَصْلُ الْهَلَاكِ الدَّعْوَى وَأَصْلُ الْخَيْرِ الِافْتِقَارُ وَقَالَ: حُكْمُ الْمُدَّعِي أَنِّهُ تَصْحَبُهُ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْخِصَالِ: تَصْحَبُهُ التَّزْكِيَةُ لِنَفْسِهِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ، وَجَهْلُهُ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَجَهْلُهُ بِحَالِهِ "
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ قُرِئَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ سَلَمَةَ النَّيْسَابُورِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: «§اسْتَجْلِبْ حَلَاوَةَ الزُّهْدِ بِقِصَرِ الْأَمَلِ وَاقْطَعْ أَسْبَابَ الطَّمَعِ -[200]- بِصِحَّةِ الْيَأْسِ وَتَعَرَّضْ لِرِقَّةِ الْقَلْبِ بِمُجَالَسَةِ أَهْلِ الذِّكْرِ وَاسْتَجْلِبْ نُورَ الْقَلْبِ بِدَوَامِ الْحَذَرِ وَاسْتَفْتِحْ بَابَ الْحُزْنِ بِطُولِ الْفِكْرِ وَتَزَيَّنْ لِلَّهِ بِالصِّدْقِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ وَتَحَبَّبْ إِلَى اللَّهِ بِتَعْجِيلِ الِانْتِقَالِ، وَإِيَّاكَ وَالتَّسْوِيفَ فَإِنَّهُ يَغْرَقُ فِيهِ الْهَلْكَى وَإِيَّاكَ وَالْغَفْلَةَ فَإِنَّ فِيهَا سَوَادَ الْقَلْبِ، وَإِيَّاكَ وَالتَّوَانِي فِيمَا لَا عُذْرَ فِيهِ فَإِنَّهَا مَلْجَأُ النَّادِمِينَ وَاسْتَرْجِعْ سَالِفَ الذُّنُوبِ بِشِدَّةِ النَّدَمِ وَكَثْرَةِ الِاسْتِغْفَارِ، وَاسْتَجْلِبْ زِيَادَةَ النَّعَمِ بِعَظِيمِ الشُّكْرِ وَاسْتَدِمْ عَظِيمَ الشُّكْرِ بِخَوْفِ زَوَالِ النِّعَمِ»

الصفحة 199