كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (اسم الجزء: 10)
وَقَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ، يَقُولُ: «§الْحَرَكَةُ لِلْمُرِيدِينَ طَهَارَةٌ وَلِسَائِرِ النَّاسِ إِبَاحَةٌ وَلِلْمَخْصُوصِينَ عُقُوبَةٌ لَهُمْ إِذَا مَالُوا إِلَى مَا فِيهِ الْحَظُّ لِأَنْفُسِهِمْ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ إِنَّمَا تُبْطِئُ عَلَى الْعَارِفِينَ وَتَمْتَنِعُ عَنِ الْحَرَكَةِ إِلَيْهِمْ لِمَا فِيهِمْ مِنَ الْحَرَكَةِ إِلَيْهَا فَإِذَا فَنِيَتْ آثَارُهَا تَحَرَّكَتْ إِلَيْهِمْ وَأَقْبَلَ الْمَلِكُ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَيْهِمْ، وَكَفَى بِالثِّقَةِ بِاللَّهِ مَعَ صِدْقِ الِانْقِطَاعِ إِلَيْهِ حِيَاطَةً مِنَ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَكُلُّ مَرِيدٍ يَتَوَجَّهُ إِلَى اللَّهِ وَهُمُومُ الْأَرْزَاقِ قَائِمَةٌ فِي قَلْبِهِ فَإِنَّهُ لَا يُفْلِحُ وَلَايَنْفُذُ فِي تَوَجُّهِهِ»
قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ، يَقُولُ: " §عَلَامَةُ حَقِيقَةِ الْمَعْرِفَةِ بِالْقَلْبِ خَلْعُ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ وَتَرْكُ التَّمَلُّكِ مَعَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ مِنْ مُلْكِهِ، وَدَوَامُ حُضُورِ الْقَلْبِ بِالْحَيَاءِ مِنَ اللَّهِ، وَشِدَّةُ انْكِسَارِ الْقَلْبِ مِنْ هَيْبَةِ اللَّهِ، فَهَذِهِ الْأَحْوَالُ دَلَائِلُ الْمَعَارِفِ وَالْحَقِيقَةِ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: التَّوَكُّلُ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ: عَلَى الصَّبْرِ وَالرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ لِأَنَّهُ إِذَا تَوَكَّلَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى تَوَكُّلِهِ بِتَوَكُّلِهِ لِمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَإِذَا صَبَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْضَى بِجَمِيعِ مَا حُكِمَ عَلَيْهِ وَإِذَا رَضِيَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُحِبًّا لِكُلِّ مَا فَعَلَ بِهِ مُوَافَقَةً لَهُ " قَالَ الشَّيْخُ: كَانَ أَبُو إِسْحَاقَ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ فِي التَّوَكُّلِ الْمُنْخَلِعِينَ مِنْ حُظُوظِهِمُ التَّارِكِينَ لِأَحْكَامِ نُفُوسِهِمْ، فَكَانَ الْحَقُّ يَحْمِلُهُمْ وَيُلَطِّفُهُمْ بِلَطَائِفِ لُطْفِهِ
مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْبَرَنِيهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الْحَرْبِيَّ، يَقُولُ: قُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصِ: حَدِّثْنِي بِأَحْسَنَ، شَيْءٍ مَرَّ عَلَيْكَ فَقَالَ: " §خَرَجْتُ مِنْ مَكَّةَ عَنْ طَرِيقِ الْجَادَّةِ، وَاعْتَقَدْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَلَّا أَذُوقَ شَيْئًا أَوْ أَنْظُرَ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ فَلَمَّا صِرْتُ بِالرَّبَذَةِ إِذْ أَنَا بِأَعْرَابِيٍّ يَعْدُو وَبِيَدِهِ السَّيْفُ مَسْلُولٌ وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى قَعْبُ لَبَنٍ فَصَاحَ بِي: يَا إِنْسَانُ، فَلَمْ أَلْتَفِتْ إِلَيْهِ فَلَحِقَنِي فَقَالَ: اشْرَبْ هَذَا وَإِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَكَ، فَقُلْتُ: هَذَا شَيْءٌ لَيْسَ لِي فِيهِ شَيْءٌ فَأَخَذْتُ فَشَرِبْتُهُ فَلَا وَاللَّهِ مَا عَارَضَنِي شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ بَلَغْتُ الْقَادِسِيَّةَ "
وَفِيمَا حَدَّثَ بِهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ -[330]- الْخَوَّاصَ، يَقُولُ: " §رَكِبْتُ الْبَحْرَ وَكَانَ مَعِي فِي الْمَرْكَبِ رَجُلٌ يَهُودِيٌّ فَتَأَمَّلْتُهُ أَيَّامًا كَثِيرَةً لَا أَرَاهُ يَذُوقَ شَيْئًا وَلَا يَتَحَرَّكُ وَلَا يَنْزَعِجُ مِنْ مَكَانِهِ وَلَا يَتَطَهَّرُ وَلَا يَشْتَغِلُ بِشَيْءٍ وَهُوَ مُلْتَفٌّ بِعَبَاءٍ مَطْرُوحٌ فِي زَاوِيَةٍ وَلَا يُفَاتِحُ أَحَدًا وَلَا يَنْطِقُ فَسَأَلْتُهُ وَكَلَّمْتُهُ فَوَجَدْتُهُ مُجَرَّدًا مُتَوَكِّلًا يَتَكَلَّمُ فِيهِ بِأَحْسَنِ كَلَامٍ وَيَأْتِي بِأَكْمَلِ بَيَانٍ، فَلَمَّا أَنِسَ بِي وَسَكَنَ إِلَيَّ قَالَ لِي: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِيمَا تَدَّعِيهِ فَالْبَحْرُ بَيْنَنَا حَتَّى نَعْبُرَ إِلَى السَّاحِلِ وَكُنَّا فِي اللُّجَجِ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاذُلَّاهُ إِنْ تَأَخَّرْتُ عَنْ هَذَا الْكَافِرِ فَقُلْتُ لَهُ: قُمْ بِنَا فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ بِأَنْ زَجَّ بِنَفْسِهِ فِي الْبَحْرِ وَرَمَيْتُ بِنَفْسِي خَلْفَهُ فَعَبَرْنَا جَمِيعًا إِلَى السَّاحِلِ فَلَمَّا خَرَجْنَا قَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، نَصْطَحِبُ عَلَى شَرِيطَةِ أَلَا نَأْوِي الْمَسَاجِدَ وَلَا الْبِيَعَ وَلَا الْكَنَائِسَ وَلَا الْعُمْرَانَ فَنُعْرِفُ فَقُلْتُ: لَكَ ذَلِكَ حَتَّى أَتَيْنَا مَدِينَةً فَأَقَمْنَا عَلَى مَزْبَلَةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ أَتَاهُ كَلْبٌ فِي فَمِهِ رَغِيفَانِ فَطَرَحَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَانْصَرَفَ فَأَكَلَ وَلَمْ يَقُلْ لِي شَيْئًا ثُمَّ أَتَانِي شَابٌّ ظَرِيفٌ نَظِيفٌ حَسَنُ الْوَجْهِ وَالْبَزَّةِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ وَمَعَهُ طَعَامٌ نَظِيفٌ فِي مِنْدِيلٍ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيَّ وَقَالَ لِي: كُلْ وَغَابَ عَنِّي فَلَمْ أَرَ لَهُ أَثَرًا فَقُلْتُ لِلْيَهُودِيِّ: هَلُمَّ، فَلَمْ يَفْعَلْ ثُمَّ أَسْلَمَ وَقَالَ لِي: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَصْلُنَا صَحِيحٌ إِلَّا أَنَّ الَّذِي لَكُمْ أَحْسَنُ وَأَصْلَحُ وَأَظْرَفُ، وَحَسَنُ إِسْلَامُهُ وَصَارَ أَحَدَ أَصْحَابِنَا الْمُتَحَقِّقِينَ بِالتَّصَوُّفِ "
الصفحة 329